ardanlendeelitkufaruessvtr

أزمات في تونس.. ولا أحد يمتلك الحل

بقلم مختار الدبابي شباط/فبراير 02, 2019 191

أزمات في تونس.. ولا أحد يمتلك الحل
يمكن للتيار الوسطي في تونس أن يخترق التوازنات الحالية إذا عمل على توحيد نفسه وقفز على الصراعات الشخصية بين قياداته.
لوبيات مالية تتخفى وراء الأحزاب
سيسمع التونسيون مجددا وعودا كثيرة خلال الأشهر التي تسبق الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة في أكتوبر ونوفمبر القادمين. كل جهة سياسية ستقول إنها قادرة على أن تخرج البلاد من أزماتها المتوالدة، فقط أعطوني الفرصة.
الأحزاب التي تمسك بالحكم، وأقصد نداء تونس بتفريعاته وشقوقه المختلفة، وحركة النهضة، ذات الخلفية الإسلامية على الورق والليبرالية في الواقع، ستلقي جميعا بالمسؤولية على الظروف المعقدة، والمؤامرات التي وضعت في طريقها ومنعتها من أن تحقق وعودها الانتخابية في 2014.
لا أحد يمكن أن يطلب من الأحزاب والشخصيات التونسية التي قد تترشح للرئاسة أن تقدم حلولا جاهزة توقف الأزمة تماما، فهذا حلم طوباوي. ولكن على الأقل تجميد معالم الأزمة في وجهها الاقتصادي عند وضعها الراهن، أي التحكم في نسبة التضخم، ووقف تدهور العملة المحلية، وإحداث انفراجة عاجلة تمكن من التحكم في الأسعار خاصة بالنسبة إلى المواد الأساسية مثل الحليب والبيض، وهي مواد تظهر وتختفي في السوق بفعل الاحتكار.
الحكومات المتعاقبة كانت تعرف المحتكرين وعناوينهم، لكنها كانت تتجنب الاصطدام بهم، خاصة أن رجال الأعمال يمولون أغلب الأحزاب ويمسكون بشكل أو بآخر بالقرار السياسي الحزبي، وحتى القرار الحكومي.
القراءة الموضوعية للمشهد، تقول إنه من الصعب أن تنتهي الانتخابات القادمة إلى استقرار سياسي حقيقي، وبالتالي ستستمر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية فترة أطول، ليس فقط لأن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى وقت لترسيخ أقدامه على الأرض في فضاء عربي وإسلامي لا يحتمل الديمقراطية بصورتها الراديكالية، ولكن -وهذا الأهم- لأن من مصلحة الأحزاب والدوائر الداعمة لها أن تستمر الأزمة طويلا، لأن الاستقرار يبتلع المجموعات الوهمية التي يصنعها إعلام الدفع المسبق والسخي، والتي تشتغل بالوكالة لفائدة هذا اللوبي أو ذاك.
ولا يمكن المبالغة في الاحتفال بإنهاء مشكلة الهيئة المشرفة على الانتخابات، والتي تعطلت لأشهر بسبب الخلاف بين النهضة ونداء تونس، وتشكلت بعد التوافق الجديد بين كتلة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وكتلة حركة النهضة التي تراهن على إنجاح الاستعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية، وهو ما يعني نجاحها في توفير الغطاء القانوني والشعبي الكافي أمام ما يلوّح به خصومها، خاصة نداء تونس والرئيس الباجي قائد السبسي والجبهة الشعبية، بفتح ملفات التنظيم السري.
وأيا كانت حقيقة هذا الجهاز ودوره المفترض في الاغتيالات السياسية، أو فتح الأبواب أمام عمليات تسفير منظمة جرت في فترة الترويكا لمئات الشبان المتطوعين للقتال إلى جانب تنظيمات متشددة في ليبيا وسوريا، فإن تأثيره سيكون نافذا، ليس أمام القضاء الذي يمكن أن تنجح النهضة في إغراقه بملفات مضادة أو بألاعيب قانونية، ولكن في محو الصورة التي عمل التنظيم الإسلامي على رسمها لنفسه كونه تيارا مدنيا خاصة في أذهان الغرب، حتى أنه سعى للمغالاة في مدنية تتبرأ من أحكام فقهية في قضايا حساسة مثل المثلية الجنسية واستهلاك المخدرات والقفز على شرط الحجاب للمنتميات إلى الحزب.
ستتم الانتخابات في وقتها، وبحرية تامة مثلما جرى في 2014 خاصة، كما سيتدفق المال السياسي من كل اتجاه، محليًّا وخارجيًّا، وسيأتي برلمان شبيه بالبرلمان الحالي، حيث تمتلك النهضة النواة الصلبة وتنوع تحالفاتها حسب الضمانات التي ستقدم لها سواء من حزب الشاهد، أو من نداء تونس إذا فاز واحتاج مرة أخرى إلى شريك ضامن.
تمتلك النهضة هامشا ثانيا للمناورة، بالعودة إلى منظومة الترويكا القديمة ومن يدور في فلكها من أشخاص تحولوا لاحقا إلى قيادات لتكتلات صغيرة مثل حزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي، أو وزير حكومة الترويكا الأولى محمد عبو. لكن ماذا يمكن أن يحمل المشهد من بدائل لإخراج البلاد من أزمتها؟ هل يمكن أن يخرج تيار الوسط فائزا أو حائزا على كتلة محددة لأي تحالف في البرلمان مثل الدور الذي تلعبه النهضة حاليا؟
يمكن للتيار الوسطي أن يخترق التوازنات الحالية إذا عمل على توحيد نفسه وقفز على الصراعات الشخصية بين قياداته، وخاصة إذا نجح في استعادة قيادات مؤثرة اختارت أن تلتحق بصفوف النداء وتفريعاته. لكنه حتى لو حقق هذا النصر لن يقدر على إدارة مرحلة بحسن النوايا، أو بالشعارات الحالمة التي تحارب الفساد بجرة قلم أو بتصريح تلفزيوني يزايد فيه على الحكومة وأحزابها.
إن التيار الوسطي، أو لنجازف بوصفه بالطريق الثالث، يمكنه أن يضغط، إذا حصل على وزن مؤثر في البرلمان، لأجل خلق مناخ ملائم للحد من نفوذ اللوبيات المالية التي تتخفى وراء الأحزاب والكثير من نواب البرلمان لفرض إصلاحات على مقاسها، وتسهيل وضع اليد على الصفقات الكبرى، فضلا عن تعيين موالين لها في مواقع القرار.
ومن شروط خلق المناخ الملائم توسيع دائرة الشركاء في بناء تحالف (وليس جبهة) يتولى تعديل خيار الهرولة نحو استجلاب القروض الذي تقوم به الحكومة الحالية وسابقاتها، فضلا عن دعم العودة التدريجية لاقتصاد وطني منتج بعد أن ترك مكانه لاقتصاد الوكلاء الذين يكتفون بقبض الأموال ويفتحون الأبواب أمام سيطرة الشركات الدولية الكبرى على سوق محلية هشة وفاقدة للدعم الذي يساعدها على المنافسة.
ولن يجد التيار الوسطي شريكا أفضل من الاتحاد العام التونسي للشغل بقطع النظر عن المؤاخذات التي يمكن أن ترفع في وجهه، خاصة ما تعلق بالاتهامات التي توجه له بلعب دور ما في إسناد هذا الشق داخل نداء تونس على الشق الآخر. وبالتأكيد فإن الشراكة مع الاتحاد لا تعني دعم سياسة الإضرابات المفتوحة التي يمكن أن تربك أي محاولات لإنقاذ اقتصاد مرتهن بتضخم القطاع العام وغياب دعم الدولة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. لكن وبقطع النظر عن الاتهامات التي ترفع في وجه الاتحاد، فأن تكون لدينا نقابة قوية وبأجندة سياسية أفضل من نقابة تابعة مثلما كان في السابق.
ويحتاج الانتقال الديمقراطي إلى قوى صد حقيقية تمنع الهرولة لاسترضاء الصناديق المالية الدولية مثلما فعلت حكومات ما بعد الثورة، وخاصة الحكومة التي رعاها وأمّن شطحاتها الحوار الوطني ووثيقة قرطاج. أحزاب الحكم مستعدة لبيع أي شيء مقابل تأمين بقائها في السلطة أو على هامشها، وأضعف الإيمان أن ندعم أي قوة أيا كانت إذا كان بمقدورها فرملة هذه الهرولة.
إن الرهان على صعود، ولو تدريجي للطريق الثالث، مثلما هو الأمر مع نجاح التيار الديمقراطي في الحصول على مرتبة ثالثة في الانتخابات المحلية الأخيرة، لا يعني البحث عن اشتراكية جديدة، أو انتصارا للاقتصاد الموجه من الدولة، ولكن الهدف هو كسر التوازنات الحالية التي بوأت المراتب الأولى لتيارات ليبرالية تضع كل بيضها في سلة صندوق النقد الدولي.
كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)