ardanlendeelitkufaruessvtr

أيامي الضائعة

بقلم رابعة الختام شباط/فبراير 11, 2019 234

أيامي الضائعة
الحياة أحيانا تكون كريمة في منحنا الفرص المجانية بسخاء مفرط، لكنها شديدة البخل وشحيحة جدا حد التقطير، إذا ما لمست فينا عدم تقديم التقدير اللائق لتلك الفرص الممنوحة.
دفء بيت والاستمتاع بالأمومة ليس رفاهية مطلقا
مساء فتحتْ حقيبة أشيائها الثمينة تتفحصُ ما بجوفها بشغف، وتأنّ، فربما هذه المرة هي الأولى التي تراها فيها بهدوء ورويّة، بعض قطع ذهبية اكتفت باقتنائها ولم تجد الوقت الكافي للتمتع بارتدائها. صور عائلية غادر أصحابها الحياة على عجل، وربما منعها انشغالها من رؤيتهم للمرة الأخيرة، لم تلق نظرة الوداع على كثيرين من أهلها، فقط لضيق الوقت، ما أقسى أن تأخذنا مشاغلنا ممّن نحبهم، ويملكون شقفا من روحنا.
مصحف كبير أهداه والدها لها يوم تخرّجها بالجامعة، تراكمت عليه ذرّات التراب، وكثيرا من ذكريات متناثرة داخل الصندوق، صارت تتفحصُ كل شيء فهي غير مضطرة للنوم مبكّرا والاستيقاظ مع بداية بزوغ الشمس.
فليس لديها عمل صباحا (ليس لديها عمل) رددتها عدة مرات ومرات كي تستوعبها، قتلتْ نفسها بتكرار الكلمة مرات بطعم العلقم، بكتْ بحرقة، تهدّج صوتها وهي تردّد على مسامع نفسها ما لا يتقبله عقلها.اليوم أتمّتْ عقدها السادس، احتفى بها زملاء العمل، تلقّتٍ هدايا باهتة، بعض أشياء رمزية، وشهادة تقدير ورقية مكتوبة بماء الذهب، في إطار من خشب لامع.
بدأت رحلتها مع الملل إذن، تجرّ أيامها نحو الانتهاء، لا تجدُ ما تقوم به، حتى هذا الكسل اللذيذ الذي تحسدها كثيرات عليه، لا تجد في نفسها حاجة للاستمتاع به، خرجت من دائرتها المشحونة بالنشاط والعمل، إلى بطالة ما بعد سنّ المعاش.
عادتْ بها الذاكرة لسنوات عملها الأولى، وكيف كانت الحياة مليئة بالنشاط والنجاحات، تسرق من ساعات اليوم لحظات لنفسها، تتقلص لحظاتها شيئا فشيئا حتى صارت هباء، فحتى لحظات خلوتها بذاتها لم يعد لها مكان، ظلت في رحلة عمل دائم بلا توقف.
تتآمر على قلبها مرة فتمنعه من الخفقان للحب، ترفض خطبة ابن خالتها، ومن بعده كثيرين، لا زميل عمل توافق على الارتباط به، ولا صديق طفولة، ولا حتى معرفة عابرة، الجميع مرفوضون، فقط تزوجت الظروف، منذورة للعمل والنجاح، وما تصالحت مع نفسها بتسميته طموحها الجامح، أما تكوين أسرة فليس في مقدمة أولوياتها.
وتتآمر على عمرها تارة أخرى، تدعه يمرّ من بين يديها دون أن تستوقف سنواتها الهاربة، تتقافز سنين عمرها، واحدة تلو الأخرى، تتسارع الخطى، لتصير ثلاثينية، بلا زواج، ثم أربعينية بلا أسرة، خمسينية تتحرّق لطفل يناديها ماما!
تتواطأ مع نفسها على نفسها، احتياجاتها النفسية، والوجدانية، لمشاركة حبيب تفاصيلها اليومية، الدعم النفسي والمشاركة غير المعلنة بين الزوجين في لحظات الحياة الفارقة، تغافلت عنها، فغفلتها.
كيف كانت أحلامها تتناثر من حولها كالعطر الرخيص، لا ثبات لها، تتبخّر في الهواء بلا عودة، لا رائحة تدوم ولا فائدة تذكر، تمسّكها برفق كالفراشات، تداعبها، تلهو بها، ثم تترك لها العنان كي تطير بعيدا.
منذ تخرّجها تعمل بكل طاقتها، تشغل وقتها حتى أنها لا تجد وقتا لنفسها، لراحتها، طافت جميع دول العالم في رحلات عمل لا تتوقف، نجاحات باهرة، صارت مديرة تنفيذية، لا بل أصغر مديرة. عدّة مقاربات قام بها الأهل بينها وبين بعض خاطبين رفضتهم جميعا، وجهات نظر في طرق الشتات جمعها الأهل دون جدوى. عدة مقارنات عقدتها هي بينها وبين خاطبيها، ودائما هي الرابح الوحيد، ترى نفسها أكبر وأعلى منهم جميعا، فمن يستحقها؟
لا تنازلات لديها مطلقا، ولمَ تقدّم تنازلات وهي ترى أنها الأفضل والأنجح والأجمل والأكثر ثراء بين قريناتها في كل الاتجاهات، وعلى كافة المستويات، أفعل التفضيل الذي تتخذه لصالحها دائما هو مقصلة أحلامها.
في حفل زفاف ابنة أختها التي ولدت بين يديها وهي في العشرين من عمرها، صفعتها الحياة صفعة قوية، لطمة أدمت وجهها وقلبها، ربما ليست الصفعة الأولى، ولكنها الأوقع أثرا.
أدركت أن أيامها الضائعة لن تعود، أن سنواتها التي أسرفت فيها ببذخ ذهبت بلا رجعة، وأن رسالتها التي أوهمت نفسها بتأديتها على أكمل وجه كانت الرسالة الخطأ.
اكتشفت جارتنا الستينية الحسناء، الثرية، التي سافرت بجسدها إلى جميع دول العالم، بعد خروجها على المعاش، أن العمل وحده ليس الرسالة الأسمى في الحياة، وأن تكوين أسرة ودفء بيت والاستمتاع بالأمومة، ليس رفاهية مطلقا، بل مفردات أرقى وأسمى، في معادلة الحياة يجب الانتباه لها، ما دامت الحياة لا تبخل علينا بزوج وأسرة.
الحياة أحيانا تكون كريمة في منحنا الفرص المجانية بسخاء مفرط، لكنها شديدة البخل وشحيحة جدا حد التقطير، إذا ما لمست فينا عدم تقديم التقدير اللائق لتلك الفرص الممنوحة.
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)