ardanlendeelitkufaruessvtr

لعبة المال في المشهد الفلسطيني

بقلم عدلي صادق شباط/فبراير 13, 2019 30

لعبة المال في المشهد الفلسطيني
في هذا الخضم الفلسطيني يتراجع عنصر الأمن لصالح عنصر المال، في التأثير على مسار الأوضاع. وقد انتبه بعض الفلسطينيين إلى المقاصد النهائية لعملية قطع رواتب غزة الممنهجة والجارية بخطى حثيثة.
احتباس الرواتب يتدرج بضراوة في غزة
ترتسم في هذه الأيام، على الصعيد الفلسطيني، مفارقة مثيرة للاستغراب أو مثيرة للأسئلة. ففي الوقت الذي ازدادت فيه التدابير الإقصائية التي يأمر بها رئيس السلطة ضد سكان غزة من منتسبي حركة فتح وأسر الشهداء من كافة الفصائل، بقطع رواتب الألوف في كل وجبة، ومفاقمة الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية الكارثية في قطاع غزة؛ تتصاعد تدابير أخرى، أميركية مضادة للسلطة الفلسطينية نفسها، من بينها منع مؤسسات مالية أميركية كبرى من التعامل مع هذه السلطة، على النحو الذي يؤثر سلبا على مستقبلها.
وفي ثنايا هذه المفارقة المالية نفسها، تشدد حكومة بنيامين نتنياهو الضغوط على الرئيس محمود عباس لكي يوقف صرف رواتب أسر الشهداء ورواتب الأسرى، بينما حكومة نتنياهو نفسها، تؤدي دور الوسيط الذي ينقل دفعات مالية للأحياء والطلقاء من حماس في قطاع غزة، حتى بات هذا الأمر بمثابة أحجية أشعلت نقاشا حول أسرارها، ما اضطر حماس نفسها إلى الإعلان عن رفض استلام الدفعة الأخيرة من الأموال المنقولة عبر تل أبيب.
فما الذي على صعيد احتباس حقوق الأسر والموظفين في قطاع غزة، وما حقيقة مواقف الأطراف كلها. فمن يتدرج في احتباس الرواتب، بضراوة، يُتهم من قبل الذين أطاعهم وتماشى مع رغباتهم، بأنه يفعل العكس، حتى أصبح نتنياهو يهدد باقتطاع المبالغ المخصصة لأسر الشهداء والأسرى من إجمالي مبالغ العوائد الجمركية المستحقة للفلسطينيين لدى إدارة المقاصة في إسرائيل. ولا يتأخر جواب رئيس السلطة بأنه لن يستلم أموال المقاصة إن وصلت ناقصة فلسا واحدا!
في زيارته إلى المملكة العربية السعودية، التي بدأت الاثنين، يسعى رئيس السلطة إلى إقناع الملك سلمان بن عبدالعزيز، بالتدخل لدى إدارة دونالد ترامب لكي تنظر بإيجابية لتدابيره المستمرة ضد حركة حماس وضد منتقدي سياساته، وفي هذا المسعى يركز الرجل على نقطتين. الأولى أن السياسات التي تعتمدها السلطة الفلسطينية، على الصعيدين الاجتماعي والأمني، تتماشى مع جوهر المقاصد الأميركية حيال الصراع، حتى وإن ظل الاعتراض قائما على الخطوات الأميركية الأحادية بشأن القدس.
أما موقف رئيس السلطة مما يسمى “صفقة القرن” فلا ينبغي أن يُؤاخذ عليه، لسبب بسيط وهو أن الطرف الأميركي لم يعرض ما في جعبته ولم يطرح خطته أصلا، وأن المسألة حتى الآن لا تعدو كونها موضوع سجال، ولا ينبغي أن يحاسب أي طرف عربي أو فلسطيني، على موقفه من المسألة التي لا تزال غامضة.
أما النقطة الثانية في مسعى رئيس السلطة الفلسطينية لدى الرياض، فهي تتعلق بالوضع المالي للسلطة في حال احتدمت المشكلة مع حكومة نتنياهو التي تتعمد التصعيد لأسباب انتخابية، أي لتعزيز موقف الليكود في الانتخابات التي تُجرى في إبريل المقبل. فإن أصر نتنياهو على موقفه وبادر إلى اقتطاع جزء من الأموال الفلسطينية، فإن السلطة ستكون معرضة للانهيار وستخرج الأمور عن السيطرة، لاسيما وأن عنصر التسكين المهم للوضع الداخلي الفلسطيني، سواء في الضفة أو غزة، هو قدرة السلطة في كل منهما على استرضاء جزء من المجتمع ومن العناوين، فضلاً عن أن العنصر الأهم، هو القوى الأمنية ومنظومتاها في المنطقتين.
ولكي تنجو السلطة من الانهيار، في حال ذهب نتنياهو إلى أبعد مدى في اقتطاع من الأموال الفلسطينية، فإن عنصر الإغاثة المرتجى ينبغي أن يكون سعوديا، سواء بالبذل المالي وتأمين وصوله، أو بالتدخل لدى الإدارة الأميركية لكبح جماح نتنياهو.
في هذا الخضم الفلسطيني يتراجع عنصر الأمن لصالح عنصر المال، في التأثير على مسار الأوضاع وصيرورتها. وقد انتبه بعض الفلسطينيين إلى المقاصد النهائية لقطع رواتب غزة الجارية بخطى حثيثة. فالأمر في دوافعه وأهدافه، ليس كيديا وإقصائيا وحسب، لاسيما وأن تأثيراته الاجتماعية الفادحة، تضرب بقوة في حياة الفلسطينيين في تلك المنطقة المنكوبة، وتُحدث تغييرات بنيوية ونفسية وسياسية، وتقلب المعادلات والولاءات كلها، وعلاقة الناس بالنخب والعناوين. فليس أفعل ولا أفدح من الجوع في ضرب قناعات الناس وحرف ولاءاتها التقليدية وجذبها في اتجاه ثغرات النجاة.
لذا يستبعد الكثيرون أن تكون التدابير القاسية التي تطال الألوف من الأسر في قطاع غزة في كل شهر أو شهرين، تدابير ناشئة عن نزعات سلطوية ومناطقية ومن دون وعي بالأهداف والمآلات التي يتوخاها المدبرون.
في هذا السياق يتواصل مأزق الحالة الفلسطينية، وتحدث التراجعات في كل يوم، وصولا إلى انحطاط مشهود في السياسة والاجتماع والممارسات الأمنية وسياقات التشويه في برامج التواصل، وتتراجع أبسط الآمال في الخروج من حمأة اليأس، والعودة إلى انتظام الحياة السياسية، إن لم يكن على أسس نضالية فليكن على أسس عقلانية تليق بتقاليد الكفاح الفلسطيني المعاصر، وحبط محاولات الفصل بين الضفة وغزة.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)