ardanlendeelitkufaruessvtr

النص الرسائلي

بقلم وارد بدر السالم شباط/فبراير 14, 2019 199

النص الرسائلي
الرسائل فكرة جاذبة تنمّي من روح السرد وتنتظم كحبكة روائية من دون الحاجة إلى التوصيف الدارج، لأنها تحلُّ محلّه وتتدخل في الوصف والحوار والمعالجة الفنية الدرامية.
رسائل القرن السابع عشر ستكون شكلاً مناسباً للكتابة الروائية
يوم كتب الألماني غوته رسائله إلى حبيبته شارلوت ومن ثم استفاد من عدم إرسالها ليحتويها في رواية؛ كانت “آلام فارتر” ضرباً جديداً من الكتابة السردية عندما استعانت بكنز الرسائل غير المرسلة إلى شارلوت، ولم تكن السرديات تحتفل بمثل هذا اللون القائم على بنية الرسائل فنياً بسبب حداثة التجربة ومغايرتها للسائد الروائي، لذلك فإن “آلام فارتر” جاءت بهذه البنية الفنية – الرسائلية لتكوّن متنها المختلف، وتوطّد صلة الرسائل بهيكلية جديدة في زمنها، ومع أن شارلوت في الواقع لم تتلقَّ أي رسالة من غوته، إلا أن الأخير صنع من هذا الحب خيالاً قوياً فتحه في رسائل كرواية بقي أثرها حتى اليوم قائماً.
الرسائل بنية فنية ليست جديدة في الكتابة. فقد كتبها أدباء القرنين السابع والثامن عشر، وكما يصفونها بأنها النص الذي عُثر عليه. أي النص الرسائلي الذي صار فاتحة سردية بمثابة الدخول الآمِن للرواية. لذلك تغيرت وجهات النظر الفنية آنذاك واعتبار الرسائل جزءاً حيوياً لإنشاء رواية جديدة. من سييرفانتس حتى فيورباغ ودستويفسكي.
أنصار النص المختلف الذي يذهب بعيداً إلى الخيال الشكلي لا يجدون ضيراً من أن بعض الروايات تستفيد في تكوينها الجمالي من الرسائل، بل ومن قصاصات الصحف/ مقالات – أخبار – مناسبات سياسية أو اجتماعية/ لتكتنز بها كخامات تغذّي الهامش الروائي وتقوّي من وجوده الفني المختلف تأسيساً على أنّ الرواية هي شكلٌ جامع يستطيع تعبئة كل شيء بداخله ويمكنه من أن ينفتح على الهوامش لصفّ بنيته الجمالية. ويتضح أنّ الرسائل وقصاصات الصحف التي تطمح أن تؤسس لرواية ربما هي كتابات ضلّت طريقها إلى الجنس الأدبي أول الأمر، حتى جمعها خيال القرن السابع عشر وما بعده في إنكلترا وفرنسا على وجه التحديد. مثل “كاري” الفتاة الدميمة التي صاغها ستيفن كينغ رواية حملت الاسم ذاته بالاعتماد على قصاصات الصحف والمقالات والمقتطفات العشوائية من الكتب.
ربما كتابة الرواية هي كيف تختلف وتسعى أن لا تكون كغيرك. وكان الاختلاف مبكراً لاستيعاب هذا الجنس الأدبي لكنه كان بداية تأسيسية أولية في الخلق الإبداعي. فالرسائل فكرة جاذبة تنمّي من روح السرد وتنتظم كحبكة روائية من دون الحاجة إلى التوصيف الدارج، لأنها تحلُّ محلّه وتتدخل في الوصف والحوار والمعالجة الفنية الدرامية، فليس مهماً أن تكون الرواية متشنجة وتتفرع منها أحداث طويلة ومعقدة، إذ إنّ السرديات الروائية ليست حقيقية في معظم الأحيان، لكنها حقيقية تحت ضغط الخيال الفني في الأحيان كلها لتكون نصوصاً هاربة من الواقع إلى خيال الكتابة قطعاً شكلاً وجوهراً.
ستكون رسائل القرن السابع عشر وإلى اليوم شكلاً مناسباً للكتابة الروائية بعيداً عن فذلكات الوصف والحوارات الجافة، ويبدو أنها ساعدت في تأسيس هذا الجنس الأدبي وابتكرته ببلاغة ليكون النوع الصعب- السهل في إنشاء قرية سردية واسعة الأطراف، كما نجد لاحقاً في “دراكولا” حيث البنية الرسائلية والمقالات الصحفية كعامل مساعد لنمو هذه السردية بطريقة مغايرة لما كان سائداً، وتاريخياً نجد أن الشكل الرسائلي عند “لاكلو” كان واضحاً ومعقولاً في رواية “علاقات خطيرة”، وفي الأدب الإنكليزي مقاربات من هذا النوع الجديد في “باميلا” و”كلاريسا” وكانت جين ويبستر في “أبي طويل الساقين” (وقد حملت النسخة العربية اسم ” صاحب الظل الطويل”) قد اعتمدت الرسائل شكلاً من أشكال السرد بعيداً عن حذلقات الكتابة وموارباتها الإنشائية. لكن المكسيكي الأحدث كارلوس فوينتس استفاد من هذا الجنس الحي في “كرسي الرئاسة” المترجمة إلى العربية وهي من روائعه الأدبية السياسية المعروفة.
يبقى السؤال طبيعيا عن السرديات العربية التي استفادت من هذا الشكل الروائي المستحدث. وهو سؤال تقليدي جدا بالشواهد السردية العربية الجيدة التي لا يسع المجال لمحاورتها.
روائي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)