ardanlendeelitkufaruessvtr

أُم غايب لم تمت بعد

 
علي السوداني
 
لا أعرف اسم الروائيّ الذي قيلَ أنّ بمستطاعه كتابةَ عشرين صفحةً ، وهو جالس في شرفته يراقب بقلق كبير دجاجةً جميلةً وهي تعبر الشارع . أظنُّ أنّ الأمر له صلة بالتفاصيل الجميلة التي لا تشكّل عبئاً فنياً على النصّ وتثلم جمالياته بالزائد والفائض المملّ .
من رحمة هذه الدربونة التأويلية المذهلة ، سأسهر فوق كرسيٍّ راسخٍ بشرفتي الصغيرة ، وأرقبُ الزقاق صاحياً متحمساً مثل حارسٍ ليليٍّ شال صدرُهُ سبعين نوط شجاعة .
سأصف الزقاق بأنه مظلمٌ ، وأنّ القنديل الشائخ المزروع في منتصفه قد لا يؤدي وظيفته المنتظرة ، وانّ الوغد المتكىء على حائط منسيّ عند حاوية الزبل ، ربما هو من صنف الكائن المريض في رائعة ديستوفيسكي " الجريمة والعقاب " وقد تكون وجهة مطرقته قبل أذان الفجر بساعة هو رأس أم غايب ، تلك العجوز الوحيدة التي ليس بمقدورك أن تحبها لعشرة أسباب ، منها لون شعرها المستل من لون روث البقر البائت ، وصوتها الذي يشبه صوت سيارة الزيل التي كانت تنقل القصعة والرسائل الى الجنود المتروكين في الأرض الحرام .
بيني وبين هذا الكائن القلق مسافة رمية عصا ، أو سعلة تائهة مصنوعة برئة مدخّن عتيق ، لكنني لم أتمكن من رؤية ملامح وجهه الّا بعد أن أشعلَ لفافة تبغ ، فبدا المشهد مثل فانوس مصلوب على جدار بعيد . أراه ولا يراني وأحبه ولا يحبني ، لكنني في كلّ حال لا أتمنى له أن يقتل تلك العجوز الوحيدة التي صارت قطعة لذيذة من أثاث الزقاق القصير .
شيئاً فشيئاً تتكامل أدوات الجريمة . ألسماء تشغّل مراوحها الضخمة بقوة ، والريح تمشّط شعر الأشجار ، وقنديل الزقاق يبهت ويومض وينطفىء مثل رفسةٍ أخيرةٍ على دكة مذبح ، والشاب الطويل يوجّه نظراته صوب بيت العجوز المستوحشة ، وجسدي التالف تكاد تأكله سهام متاهة الاحتمالات . قبل نهاية القصة بكمشة أسطر ، خلعتُ من رأسي الدائخ فكرة مهاتفة الشرطة ، وزرعت مكانها مقترح هبوطي الى الشارع وبيميني كيس القمامة اليومي .
على باب الحاوية وجدت نفسي وحيداً خائفاً ، وقلبي يطبل بقوة عشرة أعراس . 
الشاب ذو الجاكيت الأملح الطويل قد اختفى من المكان ، وقنديل العمود بدأ يومض من جديد . قطة المزبلة تلعق شاربيها وتنظر اليّ بامتنان عظيم ، لكنّ كيسي لم يكن يحمل سوى كسرات من خبز يابس غير معطر بالزفر .  
  
 
 
 
قيم الموضوع
(3 أصوات)
علي السوداني

كاتب عراقي