ardanlendeelitkufaruessvtr
 
 محمود الجاف 
 
 لقد طُرحَت العديد من البحوث والكثير من الأسئلة حول مفهوم التاريخ . هل هو مُجرد تدوين لأحداث جرت في أزمنة مُختلفة أم علما قائما بذاته يُحلل ويُفسر ويُوثق؟ أم مصدرًا مُهمًا لمعرفة الماضي وسير الأولين وأخبار الشُعوب ومرآة تعكس المفاخر والمناقب والمآثر لحضارات سعت أن تكون في الواجهة وتُعطي صورة مُشرقة عنها وتحفظ إنجازاتها وتُخلّد سيرتها وسير أبطالها بفضل مُؤرخيها وكتبهُم التي وصلتنا . وثقوا كل شيء وحاولوا تنبيهنا . لكن ولأننا لانقرأ ... لم نفهم ولهذا أُثقلت اجسادنا بالجراح وتكررت ذات المآسي ومنذُ ان عرفتُ الفرس وتذوقتُ طعم احقادهم وأردتُ كشف جذورها قرأتُ وعرفتُ العجَب لأني وجدتُ ان الصور التي نراها الان قد تكررت كثيرًا ولكننا ننسى ثم نعود الضحية في كل مرة .
أبو مسلم الخُراساني : هو عبد الرحمن بن مُسلم صاحب الدعوة العباسية في خراسان ثم واليها . قيل : اسمه : إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سندوس بن حوذون ولد بزرجمهر وكان يكنى : أبا إسحاق . كان أبوه قد أوصى به إلى عيسى بن موسى السراج فحملهُ إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين . وهو حفيد آخر الأكاسرة يزدجرد الثالث الذي تنبأ بعودتهم للحكم لما تم إجلاء الفرس عن القادسية وبلغهُ ما كان من وزيرهُ رستم وإدالة العرب عليه خرج هاربًا في أهل بيته .
وقف بباب الايوان وقال : السلام عليك أيها الايوان . ها أنا ذا مُنصرفٌ عنكَ وراجعٌ إليكَ أنا أو رجلٌ من ولدي لم يدنُ زمانهُ ولا آن أوانهُ .
ولد سنة 100هـ في ماه بالبصرة مما يلي أصبهان عند عيسى ومعقل ابني إدريس العجلي فربياه إلى أن شبّ فكان غلاماً سراجاً واتصل بعد ذلك بإبراهيم بن الإمام محمد من بني العباس الذي قال له : غير اسمك وكُنيتك . وكان في خدمته إلى أن أرسله إلى خراسان داعية بعد أن لمس فيه إخلاصاً وحماساً وشجاعة وعلماً رغم حداثة سنه فقام فيها واستمال أهلها ووثب على ابن الكرماني وَالِي نيسابور فقتلهُ واستولى عليها . وسيّر جيشًا لمُقاتلة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فهزمهُ حتى فرّ إلى مصر فقُتل في بوصير وزالت الدولة الأموية سنة 132 هـ . استمر أبو مُسلم بعد ذلك في دعوتهُ رغم موت الإمام ووطآ المنابر للدولة العباسية حتى قامت في 132هـ .
وفي دعوته قال نصر بن سيار : أرى خلل الرماد وميض نار وتوشك أن يكون لها ضرام ...
التفَّ حولهُ الفُرس والموالي كونهُ من أحفاد آخر مُلوك فارس واقتربوا منه فأعجبوا بشخصيته وتبعوهُ على حداثة سنه . وكان بين القيسية واليمانية في خراسان خلافٌ وفرقة فلما رأوا التفاف العجم حولهُ اتفقوا عليه لضرب دعوته في مهدها وكادوا أن يُفلحوا لولا أن ضربهُم ببعضهم البعض مُستخدماً دهاءهُ وحنكتهُ . زاحم موكبهُ موكب أبي جعفر المنصور وكان بليغاً إذا قال أوجز وأعجز وإليه يُنسب البيت :
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى عليك ليوث الغاب من كل جانب
قاله لما أحرق كتاب عبد الحميد الكاتب وكان قد أرسل إليه أثناء حصارهُ لآخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد . كان كثير القتل وسفك الدماء ففي حروبهُ ومعاركهُ أفنى خلقاً كثيراً وكان يأخذ الناس بالظنة وأجرى مذهب القتل فيمن خالف سلطانه ولم يكن له صاحب أو مُؤتمن كما كان لا يضحك ولا تبدو في وجهه علامات السرور .
جاء يستأذن المنصور فقالوا له : اجلس هاهنا فإن أمير المؤمنين يتوضأ . فجلس وهو يود أن يطول مجلسه ليجيء عيسى بن موسى فأبطأ . أذن له الخليفة فدخل عليه فجعل يعاتبهُ في أشياء صدرت منهُ فيعتذر عنها جيدا حتى قال له : فلم قتلت سليمان بن كثير وإبراهيم بن ميمون وفلانا وفلانا ؟
قال : لأنهم عصوني وخالفوا أمري .
فغضب عند ذلك وقال : ويحك ! أنت تقتل إذا عُصيت وأنا لا أقتلك وقد عصيتني؟
رأى المنصور من أبي مسلم ما أخافهُ فقتلهُ بروْمة المدائن سنة 137هـ وثارت له جماعة بزعامة (سنباذ) سنة 137هـ ولكن لم تلبث أن أخمدت ثورتهم . كانت حياته قصيرة فقد قتل وهو يبلغ اثنا وثلاثون سنة أو خمسة وثلاثون .. خرج سنباذ يطلب بدم أبي مسلم وقد كان مجوسيا تغلب على قومس وأصبهان ويسمى : بفيروز أصبهبذ فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشا من عشرة آلاف فارس عليهم جهور بن مرار العجلي فالتقوا بين همذان والري بالمفازة فقتل سنباذ وستين ألفا من أصحابه .
قال الإمام الذهبي رحمه الله : كان أبو مسلم بلاءًا عظيما على عرب خراسان فقد أبادهم بحد السيف . وكان سفَّاكا للدماء وهو أول من سن للدولة لبس السواد وكان ذا شأن عجيب ونبأ غريب من رجل يذهب على حمار بإكاف من الشام حتى يدخل خراسان ثم يملكها بعد تسعة أعوام ويعود بكتائب أمثال الجبال ويقلب دولة ويُقيم أخرى ! وكان بعض الزنادقة والطغام من التناسخية قد اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى حلَّ في أبي مسلم الخراساني المقتول عندما رأوا من تجبرهُ واستيلائه على الممالك .
قال أبو حامد الداودي : دخل رجل وعلى رأس أبي مسلم عمامة سوداء . فقال ما هذا ؟ قال : اسكت حدثني أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء . يا غلام اضرب عنقه !
 
المصادر : 
البداية والنهاية الجزء العاشر 
 سير اعلام النبلاء" للإمام الذهبي رحمه الله
قيم الموضوع
(7 أصوات)
الشيخ محمود الجاف

كاتب عراقي