ardanlendeelitkufaruessvtr

المواشي والقاضي وسياسيو الصدفة

بقلم د. قيس النوري آذار/مارس 12, 2019 321

المواشي والقاضي وسياسيو الصدفة
من طرائف مراسلات الولاة العثمانيين مع الباب العالي، أن والي بغداد تلقى رسالة عاجلة من السلطان يستفسر فيها عن حالة المواشي!! احتار الوالي ومستشاروه بمغزى هذا الاستفسار الغريب غير المعقول، متسائلين كيف لمقام الباب العالي المعروف بعظمة مكانته أن ينشغل بقضية مثل هذه، دعا الوالي كبار مستشاريه من ضمنهم قاضي المدينة للاستئناس برأيهم والاستعانة بهم لتفسير معنى هذا الاستفسار المحير وما المقصود بالمواشي، أجمع الحضور على أن المقصود بالمواشي هي الأغنام والجمال والحمير وسائر من يمشي على أربعة، عدا الكلاب بالطبع، اعترض القاضي على هذا التفسير قائلا لهم: إن مولانا السلطان يستفسر عن حالة الرعية وليس الجمال وسائر خلق الله من المواشي رفض (المستشارون) تفسير القاضي، وأجمعوا بذكاء قلّ نظيره يحسدون عليه، على أن المقصود واضح لا غرابة فيه، وأن السلطان يريد فعلاً معرفة حال المواشي في ولاية بغداد ما دامت هذه المواشي من أملاكه .
استقر الرأي أخيراً، بعد أن طردوا القاضي ووبخوه لسوء فهمه وفقدانه البصيرة وقرروا إجابة السلطان من فورهم وأرسلوا برقية إلى الاستانة يقولون فيها: (مولانا السلطان كلنا مواشي عدا القاضي).
المشتغلون بالسياسة في عراق اليوم، تأثروا، على ما يبدو، بالموروث الذي تركته مراسلات الأمس، حتى صار فهمهم للأمور يقاس بتفسيرهم للمعاني بقدر عقولهم وما يدركون، فالناس، في فهمهم، مجرد مواشٍ، ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم من مخلوقات الله، وعلى وفق هذا الفهم يمارسون سياسة الناس دون أن يدركوا أن هذا المستوى المنحط من التفكير انما ينطبق عليهم باعتبارهم مواشي، بامتياز، منهجاً وتصرفاً وسلوكاً.
الناس أيها المواشي، عقول ترفض منطقكم، الذي لا يتعدى مفهوم وسلوك الحظيرة.
انظروا ماذا فعلتم، بعد أن غادرتم الحظيرة جسداً تتعلق بكم رائحة الأدران ومارستم السياسة بتخلف وانحطاط على الصعد كلها، ولم تكتفوا بإنجازاتكم المخزية، التي أصبحت أضحوكة تتندر بها الأمم باستذكار قصة أسلافكم مستشاري الوالي، وذلك القاضي المسكين، الذي حاول جاهداً تصويب عقولكم من دون جدوى، وباءت محاولاته عبثا أمام إصراركم وتعلقكم بالحظيرة وسلوكها.
كتب جورج أرول القصة المعروفة (حديقة الحيوان) المعبرة بتورياتها الواضحة عميقة الدلالة، والتي ألبس فيها على لسان الحيوانات معاني واضحة المغزى.
أنصح مواشي العصر قراءتها لعلهم يتراجعون أو يرتقون الى ما فوق تفكير الحيوان، وأن كان هذا التمني سوف يواجه الموقف نفسه الذي واجهه ذلك القاضي المسكين بإصرار الجماعة بعدم مغادرة الحظيرة.
الناس شركاء وليسوا تابعين، شركاء في صياغة مصيرهم، وهم بذلك معنيون بضمان مستقبلهم عن طريق المشاركة الفاعلة في صياغة الموقف، ذلك الموقف الذي لا يجوز احتكاره بحجة أنهم يتولون وراثة الحظيرة ومن فيها.
حتى حيوانات جورج أرول تمردت عندما بلغ التعسف والاحتكار واختزال الموقف الذي أضر بمصلحة الجميع.
لقد انفض الكثير من الناس من حولكم جراء ممارساتكم المتخلفة ومسيرة الرفض صارت مثل كرة الثلج تتعاظم كل يوم حتى أصبحتم مجرد أفراد لا حيلة لكم ولن يقبل بكم حتى مستشاري الوالي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)