ardanlendeelitkufaruessvtr

بغداد: أين ذهب الآخرون؟

بغداد: أين ذهب الآخرون؟
الوافدون الجدد للعاصمة تركوا بصمتهم عليها كما تركها الذين سبقوهم ولكن بقوّة تدعمهم الأموال التي تدفقت بأيدٍ لا تعرف عميقاً أساليب العيش في مدينة ممتدة بتاريخها إلى قرون.
مثقفو بغداد تراهم كل جمعة يتوافدون على شارع المتنبي
ألمس في كل زيارة إليها تنامي خلايا التجديد في أذهان سكانها المؤلفين من ثمانية ملايين نسمة بعد زيادة مضاعفة في عدد سكانها خلال العقدين الأخيرين، فبغداد التي أبتليت منذ نشوئها بتدفق النازحين إليها بدوافع وضرورات عديدة -أبرزها العيش والتعلم والتبغدد- مدينة مفتوحة الأسوار تنزح إليها في كل حين أعداد جديدة من السكان الذين يتنافسون بين هجرتي الريف والمدينة حينا وهجرة سكان الأقاليم القريبة إلى أسوارها لتلاحم محافظات بأكملها بملامسة حدودها حتى صارت لها أمانة إدارية في المركز، ومحافظة للعاصمة تضم مدن الضواحي، هذا الاتساع يضيقُ أحياناً بضوابط صارمة قد تفرضها الأنظمة المتعاقبة عليها كما فرضها النظام السابق قبيل العام 2003 بتحديد السكن وفق نتائج إحصاء عام 1957.
لكنه فتح الباب لمحافظة واحدة هي تكريت للسكن فيها، ما أثار نقمة واستغراب أبناء المحافظات الأقرب كالحلة وديالى اللصيقتين ببغداد، حتى ألغى النظام الجديد بعد الاحتلال هذا الشرط للسكن، وتدفق أبناء المحافظات الوسطى والجنوبية إليها ليتضاعف عدد السكّان، ويضرب تقريبا التصميم الأساس للمدينة ببناء أحياء جديدة وتختفي الأماكن المدخرة كمشاتل بحكم ضرورات السكن الجديد.
لم تعد مدينة أرستقراطية بالرغم من البيوت والمولات والمحال التجارية الجديدة التي توالدت، فقد صارت مزدحمة جدا شأنها شأن القاهرة وعمان وغيرهما من المدن، وفقدت البعض من خصوصية عمارتها وأقواسها وسناشيلها، وغاب عنها الطابوق “الجمهوري” الأصفر الممُيز لبيوتاتها.
اتسعت المدينة وفقدت الكثير من مظاهر الدعة والشواغل كالمسارح ودور العرض السينمائية والمدارس الحكومية الحديثة، واستعيض عنها بشواغل أخرى فُرضت على المدينة كالجامعات الأهلية الصغيرة والأسواق التجارية الخاصة والمقاهي الجديدة التي ظلت صدى لسابقتها لكن اختلفت هموم سكانها بدوافع الربح وكسب الأموال والموضة أحياناً، على حساب مساحاتها الخضراء ونخيلها المظلل.
الوافدون الجدد للعاصمة تركوا بصمتهم عليها كما تركها الذين سبقوهم ولكن بقوّة تدعمهم الأموال التي تدفقت بأيدٍ لا تعرف عميقاً أساليب العيش في مدينة ممتدة بتاريخها إلى قرون وهي ذات هَم ثقافي حضاري آخر كما كانت تسير في تداعيات عيشها وتمثلها للوافدين الجدد من أبناء البيئات المدينية من المحافظات، وفرض نوع من التساكن مع غيرهم.
أين مثقفو بغداد؟
تراهم كل جمعة يتوافدون على شارع المتنبي ليعلنوا من مبنى القشلة التاريخي تأييدهم للوحدة الوطنية ويلتقون ليعلنوا عن تأييدهم لهوية العاصمة المعرفية والثقافية وينشدون لها ويغنون، كأنهم ينادون بالحفاظ على مبانيها وإرثها والثراء المعرفي لتاريخها، وبصمة وجودها.
لكن غياب المهندسين الكبار والبناة الذين يعرفون سر مفاتيح خزنتها يتسببون في تراجعها حتمًا.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 14 آذار/مارس 2019 05:00