ardanlendeelitkufaruessvtr

أخلاقيات السياسة

بقلم د. قيس النوري آذار/مارس 19, 2019 137

أخلاقيات السياسة
د. قيس النوري
السياسة والأخلاق كمفاهيم وممارسة ماذا تعني؟ لا نريد هنا مناقشة إشكالية العلاقة بين مفهومي السياسة والأخلاق، هذا السؤال الفلسفي كان وما يزال مدار بحث ونقاش وتنظير من كتاب ومنظرين من دون التوصل إلى ربط جدلي بين المفهومين لأسباب متعددة، ربما يكون أبرزها الاختلاف في المرجعيات المؤسسة التي ينطلق منها الفكر في صياغة المفاهيم.
السياسة في أبسط تعريفاتها، هي عملية إدارة شؤون الناس، وبذلك فهي عمل ومجال اجتماعي يرتبط بشكل مباشر بمصالح تستوجب تحقيق العدل والإنصاف.
السؤال المطروح، هل يمكن للسياسة أن تنعزل عن الأخلاق؟ ومن ثم يسوّغ للسلطة تحقيق الأهداف بمعزل عن الأخلاق، طبقا لمقولة ميكافيلي ووصاياه أن: (على القائد السياسي أن يستخدم الوسائل كلها للتغلب على خصمه وبلوغ غايته، وعليه أن يعرف كيف يخضع الناس لسلطته بقانون أداته القوة)، هذا المعنى في السياسة يسوّغ، بل يحرّض على اللجوء إلى أي وسيلة مهما كانت، حتى وأن تقاطعت مع القيم الأخلاقية للحفاظ على السلطة بوساطة الاخضاع القسري باستخدام القوة بمعزل عن إرادة الناس ومصالحهم.
يمعن ميكافيلي في المغالاة لصالح سلطة الحاكم ويحرضه على تجاهل الناس عندما يقول: (من يبني على الشعب يبني على الطين)، لنصل من حيث النتيجة طبقا لهذا المنطق، إلى أن السلطة، على وفق هذا التصور المعزول، ما هي إلا عظمة في فم كلب، وليس هناك من كلب على استعداد للتخلي عن العظمة (السلطة)، في حين أن المنصب ليس هبة وإنما أمانة مقيدة بشروط، يبطل إلزامها متى ما أخل بتلك الشروط، بمعنى أنها أمانة المحكومين المقيدة عند الحاكم.
أن أي سياسة هدفها السلطة بذاتها، إنما هي استلاب يفقد شرعيته، وهذا ما أكدته بقوة الثورات التغييرية الكبرى، وحتى بعثات الأنبياء بتأكيدها على القيم الإنسانية واحترام حقوق الإنسان.
لقد وقعت بعض الأيديولوجيات، ثورية أم دينية سياسية في جريرة وصايا ميكافيلي نفسها، مغلفة هذه المرة بمقولات وتسويغات ثورية أو دينية سياسية، كما هو نموذجها في طروحات الخميني مثلاً، الذي غلّب سلطة (الفقيه) المطلقة بديل إحلالي قسري لولاية الأمة.
المغالاة في الأيديولوجيا، حتى وأن كانت على صواب نظري مجرد، تغيب وتغتال الحرية، وتقتل الإرادة الفطرية الفردية والجماعية، ولعل التجربة السوفياتية خير مثال على هذا النموذج في الممارسة السياسية باعتمادها فلسفة القوة وسيلة لفرض سلطة غيبت المعنى الأخلاقي للممارسة السياسية.
أسئلة الفلسفة تضع المداخل للوصول إلى إجابات، منها على سبيل المثال، هل الأخلاق والسياسة مختلفان منفصلان بطبيعتيهما؟ من وجهة نظر متواضعة قابلة للنقد نقول، إن الحل يكمن في سيادة تفاعل بنيوي متبادل في بيئة حرية واعتدال، بيئة الحرية توفر الفضاء لانتقاد السلطة وتقويمها إن شطت وابتعدت عن المعنى الجوهري لممارسة السياسة المؤطرة بضوابط ملزمة تحقق القدر الأعلى من مصالح الناس.
أمام هذا الجدل المشروع في ظل ما آلت إليه الأوضاع المزرية للأمة نتساءل كيف نصف أداء النظم السياسية العربية، وكيف تمارس سلطاتها في الإدارة العامة؟
عذراً لن أطيل، لا هذه ولا تلك، إنها مجرد عظمة، فهذه السياسة زاودت على ميكافيلي في أطروحاته وغيره من عتاة تمركز السلطة وشرعنتها لصالح الحاكم الفرد، وتسويغ جعلها هدفاً بدل أن تكون مجرد وسيلة، وضربت عرض الحائط أي اعتبار للأخلاق في الممارسة السياسية، والأدهى والأمر من هذا تأمر الناس بالقبول والطاعة والولاء، وهم أصل ابتلاء هذه الامة.
(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)
                                                     ـ البقرة 44ـ

قيم الموضوع
(0 أصوات)