ardanlendeelitkufaruessvtr

خطاب عبر الموبايل يقلب موازين السياسة

بقلم فيصل الياسري تموز/يوليو 20, 2016 309

   
خطاب عبر الموبايل يقلب موازين السياسة
فيصل الياسري
مرة أخرى تثبت وسائل الاتصال الإلكترونية بأدواتها الحديثة والمتطورة وسرعة انتشارها عبر الإنترنت حول العالم، أنها المصدر الأول والمغذي لجميع أشكال النشر الإعلامي، بل هي من تضخم الأحداث أو تقلل من أهميتها وتحدد انتشارها، فتحرك الناس سلبا أو إيجابا، وتحشدهم مع أو ضد!
وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الساعات العشر التي استغرقها انقلاب الجمعة الماضي في تركيا الذي احتلت أخباره وتفاصيلها بعد دقائق من حدوثه وحتى انكماشه وانكفائه جميع محطات البث التلفزيوني في العالم من خلال ما نقله الإعلاميون والمراسلون المحترفون والهواة من مواقع الأحداث، ولولاهم لما عرف الناس بصورة فورية ما يجري، وقد تجسد دور الإعلام عندما أصبح بؤرة اعتماد المسؤولين وأصحاب القرار والمتابعين الرسميين، لمعرفة تفاصيل الأحداث السياسية الكبرى حتى قبل أجهزة المخابرات الرسمية وقبل السلطات الحكومية.
فها هو وزير الخارجية الأميركي جون كيري عندما سألوه في مؤتمره الصحافي في موسكو عن محاولة الانقلاب التركية بعد أربع ساعات من حدوثها، قال للصحافيين إنه لا يعرف أكثر مما نقلته وسائل الإعلام ولم تكن لديه معلومات إضافية من مصادر الخارجية الأميركية!
وعندما لم يستطع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو في أوج الأزمة الوصول إلى أي وسيلة إعلامية يخاطب من خلالها الشعب وانتظر الأتراك ظهوره على شاشة التلفزيون الحكومي، كان ظهوره الأول عبر إحدى تطبيقات التواصل على الهاتف المحمول وهو “فيس تايم” الذي أطلقته شركة أبل بين عامي 2010 و2011 للتواصل عبر الفيديو بين مستخدمي هواتفها فقط.
فوجه أردوغان عبر فيس تايم على هاتفه كلمة تحريضية إلى شعبه يدعـوه فيها للنزول إلى الشارع للدفاع عن الحكومة، فتدفقت الجماهير على الشوارع وكان لهذه الحركة الدور الحاسم في إفشال الانقلاب في فترة قصيرة وتغيير مجرى الأحداث وقلب الانقلاب!
لعل المؤرخين وخبراء الإحصاءات وهواة الأرقام القياسية سيعتبرون تلك الرسالة الشفوية التي أطلقها أردوغان وهو في صالون منزله في ضواحي إسطنبول عبر فيس تايم (وهو شبيه إلى حد ما بخدمة السكايب) وتلقفتها الفضائيات حول العالم، سيعتبرونها أهم وأخطر خطاب سياسي شفوي عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي موجه على جهاز الهاتف الجوال أنقذ تركيا من مصير مجهول وأفشل محاولة انقلابية اشترك فيها المئات من العسكريين والمدنيين كما اتضح لنا في ما بعد من خلال ما تم إعلانه عن عدد القتلى والمعتقلين والملاحقين والمطرودين من وظائفهم حتى من رجال القضاء.
أدركت الحكومة التركية أهمية دور الإعلام المناصر لها في إفشال الحركة الانقلابية، وقد عبر رئيس وزراء تركيا في أول مؤتمر صحافي له في أنقرة صباح اليوم التالي عن امتنان الحكومة التركية لوسائل الإعلام والصحافيين الذين لعبوا دورا هاما في تحريك الشارع التركي ضد الانقلاب وإفشاله، فخصّص قسما مهما من كلمته لشكر الإعلاميين ووسائل الإعلام وامتدح فعاليتهم في تغطية تفاصيل هذا الحدث الخطير والمهمّ.
ولم تعد تغطية ومواكبة أخبار الأحداث الكبيرة والصغيرة بحاجة إلى تجهيزات كثيرة ومعدات كبيرة غالية أو معقدة قد يصعب نقلها وتحضيرها ميدانيا للعمل بسرعة، بل صار الإعلامي “الشاطر” وحتى غير المحترف يستطيع بهاتفه المحمول أو بكاميراته الجيبية أن يؤدي وظيفته بنجاح، وقد لاحظنا مثلا خلال المؤتمر الصحافي لرئيس الوزراء التركي الهيمنة الواضحة للهاتف المحمول كأداة عمل رئيسية لدى الإعلاميين إذ كان هناك صف من المراسلات والمراسلين يمسكون أثناء المؤتمر الصحافي بهواتفهم المحمولة ويدوّنون عليها فورا مقتطفات من أقوال رئيس الحكومة ويبعثون بها مباشرة إلى مكاتبهم المحلية أو الخارجية، لتظهر بعد دقائق على شاشات الفضائيات أو تنشر على صفحات المواقع الإخبارية على الإنترنت..
وفي العمل الإعلامي الحديث لم تعد المعدات والأجهزة كبيرة الحجم وغالية الثمن هي الحاسمة والمؤثرة والضامنة للنجاح، بل إن الأهم والأكثر ضمانا للنجاح والمؤثر هو الإنسان، هو الإعلامي المهني، اللماح، والواعي بواجبه التنويري، والكاشف للحقائق، وهو أيضا من يتجنب فخ الإثارة الصحافية ويحافظ على الموضوعية والشفافية لإعطاء المتلقي الصورة الكاملة لما يجري ومساعدته على تكوين الصورة الواضحة.
مخرج عراقي
   
           

باهر/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)