ardanlendeelitkufaruessvtr

كيف نشفى من حب الغد!

بقلم شيماء رحومة نيسان/أبريل 03, 2019 263

كيف نشفى من حب الغد!
شيماء رحومة
لو أن العوائل تربي أبناءها على أسس هذه الحكمة “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد” حتى تتصدى لظاهرة التسويف، تلك العادة السيئة التي تدفع البعض لتأجيل مهامهم دائما، ودون أي مبررات في أحيان كثيرة.
لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد
تحرك حياتنا برمتها عبارة واحدة فقط أظن أن الجميع يرزح تحت ثقلها “غدا”، وعلى ثقلها فهي المشجب الذي يعلق عليه أفراد المجتمع من أصغرهم إلى أكبرهم مشاغلهم وواجباتهم وحتى حقوقهم.
ينشأ الطفل في مناخ عربي يقدس تأجيل كل أموره إلى الغد معتقدا أن هذا المهرب يحمل عصا سحرية بمقدورها قلب الموازين وتعجيل ما تراكم من الأمس، وهكذا تمضي حياة أغلب الناس من غد إلى آخر في سلسلة محكمة تنتهي بانتقال الإنسان إلى مثواه الأخيرة دون أن يحقق في الغد ما يصبو إليه.
ويشكل التأجيل للغد أزمة مرورية خانقة تمنع الوصول السريع إلى الهدف المنشود، هذا التباطؤ ذكرني بإحدى روايات الصحافي الراحل عبدالعزيز العروي الذي اشتهر بقصصه الشعبية التي لا تزال حية في ذاكرة التلفاز إلى اليوم يتدبر منها التونسيون العبر من جيل إلى جيل.
وجاء في هذه الرواية أن رجلا فقيرا فتحت له الأقدار على ما تسعفني به الذاكرة بابا للغنى، حيث ظهر له شيخ في الصحراء وأسكنه برجا عاليا واشترط عليه أن ينعم بالخيرات التي ستقدم إليه دون أن يحتفظ ببعضها للغد لكن الطبع يغلب التطبع فأوحت إليه نفسه أن لا يأكل بطيخة كبيرة وأن يدخر منها قسطا إلى الغد، وما إن استحسن الفكرة حتى وجد نفسه تائها من جديد داخل الفيافي بلا معين، فقط صدى كلامات تتردد “صار أنت من أهل غدوة (أنت من أهل الغد)”، هذا الغد جعله يخسر حلاوة يومه وربما أيضا حلاوة الأيام التي ستليه.
هذا الغد الذي فكر فيه بدل الاستمتاع بيومه هو المفتاح الصدئ الذي يحاول من خلاله الجميع فتح أبوابهم غير مراعين أنه قد لا يصلح لكل الاستعمالات ولكل الأبواب.
في الحقيقة الكتابة حول هذه الفكرة لم تأت من عدم بل من لحظة فارقة شعرت فيها بأنني أغرق في تيار شديد يأخذني بقوة نحو الغد، فغدا سأنجز هذا وانتهي من ذاك وأكلم فلان وأقابل علان ويمضي الغد محملا بذات الوعود وربما مثقلا بإنجازات جديدة مؤجلة، وهنا يصح قول ديل كارنيجي “تذكر أن اليوم هو الغد الذي كنت قلقا عليه بالأمس”.
اختزل المؤلف الأميركي الغد في جملة، وقال كل شيء باختصار، الغد هو اليوم والأمس، والجامع بينهما قلق بشري فطري واستسلام للتعويل على أي شيء حتى وإن كان مجهولا دون إدراك واع للعواقب الوخيمة.
يحبذ الجميع انتظار الغد مسدلين ستار اليوم مخفين بخلا شديدا تحت ظلمة الليل الحالكة، ليكشف ضوء نهار الغد شحوبا وتكاسلا يتجددان أكثر من تجدد النشاط ويتم إعداد روزنامة جديدة تسقط من جدولها وحساباتها ساعات اليوم الطويلة.
لو أن العوائل تربي أبناءها على أسس هذه الحكمة “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد” حتى تتصدى لظاهرة التسويف، تلك العادة السيئة التي تدفع البعض لتأجيل مهامهم دائما، ودون أي مبررات في أحيان كثيرة.
كما أن تعليم الأبناء مواجهة مخاوفهم وإنجاز ما يطلب منهم مع توجيههم حتى يحْسنُوا تنظيم مهامهم واستيعاب القواعد السلوكية المساعدة على اتخاذ القرارات الصائبة، كل ذلك من شأنه حتما القضاء على مبدأ الاستكانة في التعويل على الغد، وخلق خلية ناشطة قادرة على تحدي الصعاب.
لكن للأسف ينفتح أغلب الناشئة على منظومة إدارية تمجد الغد مهما كان حجم مطالبها حتى صارت سمة لصيقة بالعربي عامة “عد غدا”، فمن غير المرجح أن يحصل المرء على مطلبه في ذات اليوم، وللغد شأن مماثل!
استبعد عن نفسي أن أشفى من حب الغد!
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)