ardanlendeelitkufaruessvtr

إسقاط الرئيس البشير وبقاء القطط السمان تغيير ناقص

بقلم محمد أبوالفضل نيسان/أبريل 07, 2019 143

إسقاط الرئيس البشير وبقاء القطط السمان تغيير ناقص
محمد أبوالفضل
لدى الشعب الجزائري ميزة جيدة للتعلم من أخطاء تجارب الدول المجاورة، وعدم الرضوخ لخدعة المسكنات في طريقة التعامل مع من تحوم حولهم شبهات بارتكاب مخالفات، والتصميم على أن يمتد التطهير لجميع أنواع الفساد.
الرئيس السوداني عمر البشير يريد تجنب مصير بوتفليقة
أصبح القطط السمان منتشرين في كثير من الدول العربية، ولم يعد هؤلاء حكرا على دولة محددة أو ينحصرون في توصيف سلطة واحدة. وتعني العبارة المستفيدين من فساد بعض الأنظمة والذين سيطروا على مفاتيح كثيرة في مؤسسات مختلفة لخدمة أهدافهم والحفاظ على مصالحهم والدفاع عنها بالقوة والحيلة الممكنة.
يُشار إلى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة كآخر ضحايا هذه المنظومة المعقدة، بعد أن أُجبر على تقديم استقالته تحت وقع احتجاجات متواصلة، من بين مطالبها التخلص من “العصابة” التي تطوق عنقه ووقف الفساد العام، والذي يتخذه الغاضبون مشجبا تعلقُ عليه أخطاء تجربة بوتفليقة في السنوات الست الماضية، والتي جرى فيها تهميش دوره السياسي، ما أتاح لنافذين بجواره وحوله التحكم في مفاصل مهمة بالدولة، وجني مكاسب كبيرة، وتوزيع المغانم الاقتصادية على فئة بينها روابط متينة.
يحاول الرئيس السوداني عمر حسن البشير تجنب سيناريو مماثل، بعدما تصاعد صوت الناقمين على الفاسدين داخل دائرة ضيقة محيطة به، وظفت حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية وبعض جيوب الحكومة المترهلة لخدمة مصالح أفرادها.
ويضع الآن النظام الحاكم على عاتقهم جانبا من أخطائه الفادحة، ووجد مشاركون فيه سبيلا للنجاة من الأزمة الراهنة بتحميلهم الإخفاقات الاقتصادية المتتالية، والتي لم يستسغها المتظاهرون، وزادتهم ممانعة ورفضا، لأنها تبقي على هياكل النظام وتتخلص من هوامشه الضالعة مباشرة في الفساد، من غير مساس بمن فتحوا له النوافذ والأبواب.
وأعلن البشير أنه شرع في محاربة من أفسدوا الاقتصاد ومن لوّثوا السياسة ومن فاتهم الحفاظ على الأمن، في محاولة لامتصاص الغضب، وقبل أن يصبح تضخم ثروات البعض وقودا يحافظ على شعلة الاحتجاجات، والتي صمم القائمون عليها عدم توقفها، إلا مع التخلص تماما من نظام حكم ساهم في نهب خيرات السودان.
بقي نظام بوتفليقة رمزا للتلاحم الوطني، والقدرة على استيعاب غالبية الألوان السياسية، ونجح في تجاوز أزمات متعددة. وبدأ السقوط التدريجي مع نمو شبكة مصالح نسجتها مجموعة من رجال الأعمال وقادة سابقين في الجيش وجبهة التحرير الوطني.
تمكن هؤلاء من اختراق الكثير من الحواجز في مؤسسات الحكم الفاعلة، واستثمر أصحابها العلاقات المتشابكة وكوّنوا ثروات طائلة، جعلتهم يدافعون بقوة عن استمرار نظام لم يعد خافيا أن رأسه المدبر بات معتلا، ولم يستطع وقف تدفق الأموال في جيوب من خاضوا معارك سياسية لاستمراره، وقمعوا المحتجين، حتى لو أدى ذلك إلى إرباك الجهاز الإداري للدولة.
خرجت التظاهرات في الجزائر غضبا من تنامي الفساد، الذي دفع باتجاه الحفاظ على بوتفليقة في مقدمة السلطة لفترة خامسة، بصرف النظر عن مرضه المزمن، فقد حاول المستفيدون من بقائه ترتيب أوضاعهم في اللحظات النهائية، لكنهم فشلوا في تسويق خيار التمديد لالتقاط الأنفاس وتكريس الأمر الواقع، بشكل يضع العراقيل في طريق من يحاولون التخلص منه.
جاء الفساد من رحم محسوبية ممنهجة، فرض رموزها نفوذهم على مناحي الحياة، وكوّنوا تحالفا من أشقاء بوتفليقة ورجال اقتصاد وضباط سابقين أداروا به البلاد. وظهرت تجليات المسألة في العلن عندما صادرت السلطات جوازات سفر 12 شخصية، ومنعت هروب عدد ممن لهم علاقة بدوائر قوية في الحكم، وتم إخضاعهم لتحقيقات في اتهامات كثيرة تتعلق بارتكاب مخالفات قانونية.
تجد المؤسسة العسكرية القوية في الجزائر نفسها في مواجهة لا مفر منها لتقويض حظيرة القطط السمان ومن عملوا فيها والتفوا حولها لجني الأرباح، أملا في إخلاء المسؤولية الأخلاقية عن الصمت على من دخلوها طواعية الفترة الماضية.
وربما يكسب الجيش المزيد من التأييد في الشارع الذي خرج ناقما على ما جرى ارتكابه من تجاوزات، أقدمت عليها مجموعة قريبة من الرئيس المستقيل، لها أذرع وامتدادات ضخمة في أجهزة متعددة، سهلت لها السطو على جزء كبير من ثروات البلاد.
التحمت الأخطاء الاقتصادية والاجتماعية مع أخرى سياسية، ولم يعد البعض يفرّقون بين هذه وتلك، في ظل حركة متسارعة من الأحداث في الشوارع والميادين العامة، سعى مشاركون فيها إلى عدم التواني في التخلص من نظام بوتفليقة ورفاقه، والاستفادة من اللحظة الراهنة لحسم المسكوت عنه من أمور تمس هيبة الدولة ووجودها والضامنين لها.
يشبه المشهد الجزائري المعلق على حبال الخطوة المقبلة تجاه من حققوا مكاسب اقتصادية جراء اقترابهم من الطبقة الحاكمة، ما حدث في تونس منذ حوالي تسعة أعوام، فلم يغادر الرئيس زين العابدين بن علي السلطة بسبب دوافع سياسية وأمنية فقط واحتجاجات على ممارسات مرتبطة بها، بل كان أيضا ضحية تغول أقاربه وأصدقائه في الاقتصاد، ونمو تحالف من رجال أعمال شرعنوا الفساد للاستحواذ على جزء كبير من الثروة.
وساهمت جماعة مصالح متداخلة مع السلطة بدرجة عالية في التعجيل بسقوط نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، بعد أن تصاعد دور عناصرها في الحياة الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتكوين دائرة محكمة أحاطت بنجل الرئيس (جمال مبارك)، فرضت كلمتها على كثير من القرارات الداعمة لها، الأمر الذي استفز قطاعا كبيرا من المواطنين، وحضهم على الخروج في تظاهرات لم تهدأ إلا مع رحيل النظام، ووعود بالانتقام ممن خربوا ونهبوا مقدرات الدولة.
حاولت الأنظمة التالية في كل من تونس ومصر توظيف الحرب الظاهرة على الفساد، وبذلت جهودا كبيرة لتطويقها. ولم تكن النتيجة على المستوى المطلوب، لأن التحالف الذي تشكل تمتع بذكاء جعل من الفساد مؤسسة متغولة تُضرب بها الأمثال.
من الممكن الحد من شيوعها في المجتمع، لكن من الصعوبة إنهاء دور أفرادها، فقد انتشر أعضاء نادي الفساد ووصلوا إلى جهات كاد التعرض لها أن يؤدي إلى إصابة المنظومة الحاكمة بخلل تنعكس آثاره السلبية على مجالات قد تتسبب في وقف بعض المشروعات.
رفع القائمون على السلطة في مصر شعارات براقة في البداية لمكافحة الفساد في الدولة العميقة، وهي عبارة تؤكد تغلغل أصحابه في المؤسسات المختلفة. وأوحت بعض التصرفات برغبة عارمة في التخلص من أنصارهم، واجتهدت الحكومة في سد المنافذ الحيوية أمامهم.
في المحصلة النهائية لم ترض القطاعات المتضررة من انتشار هذه الظاهرة، ولم تفلح جميع الخطوات التي اتخذت في إنهاء ما جرى تشييده من إمبراطوريات عملاقة انتعشت من خلال تقنين الفساد، وعاد يطل برأسه ونجح في استعادة لياقته الاقتصادية المتجددة. وهو التحدي الجسيم الذي يواجه الدول التي سقطت أنظمتها الجائرة سياسيا وأمنيا بفعل التظاهرات والاحتجاجات، وأخفقت في دحر الفساد.
تشكل جماعات الضغط المستفيدة منه واحدة من التحديات الرئيسية أمام الدولة الجزائرية، وتحاول مؤسستها العسكرية تحاشي تكرار أخطاء التجربتين التونسية والمصرية. وهو اختبار مهم، يتوقف نجاحه على مدى القدرة على مواجهة الشبكات التي تغذّت على الرشوة والمحسوبية وتوسيع نطاق المستفيدين، وطالت أجهزة أمنية، انخرط بعض عناصرها في توازنات منحت جماعات الضغط الاقتصادية نفوذا مضاعفا.
لدى الشعب الجزائري ميزة جيدة للتعلم من أخطاء تجارب الدول المجاورة، وعدم الرضوخ لخدعة المسكنات في طريقة التعامل مع من تحوم حولهم شبهات بارتكاب مخالفات، والتصميم على أن يمتد التطهير لجميع أنواع الفساد، والعمل على اتخاذ ترتيبات عاجلة لأوضاع الحكم، ورسم الدور المفترض أن تقوم به المؤسسة العسكرية للحفاظ على الأمن والاستقرار، من دون أن تمد بصرها هذه المرة للإدارة السياسية، وإبعاد التهم التي تلاحقها بشأن رعايتها المستترة للقطط السمان، التي ثبت أنها السبب الأساسي في كثير من كوارث بعض الأنظمة العربية.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)