ardanlendeelitkufaruessvtr

عش هكذا في بلاءٍ أيٍها العلم

محمد السيد محسن
.....
لم يعان علم دولة في العالم مثلما عاناه العلم العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة واعتماد علمها كدولة برقم 67 في عصبة الأمم وذلك في الثالث من تشرين الأول اكتوبر عام 1932 بعد التعديل الأخير على معاهدة لوزان واقرارها فيما عرف لاحقاً بمعاهدة فرساي التي حددت الدعامات الحدودية لدولة العراق.
العلم العراقي دون كل إعلام الدول بات خاضعا لتغيير وجوه ساسته بانقلابات واحتلالات ، وما الى ذلك من مؤثرات تكاد تكون شخصية اكثر منها سياسية .
احيانا أسأل نفسي متهكماً أليس من العيب ان يحافظ نادي مانشستر يونايتد على علمه دون تغيير منذ عام 1878 فيما لا يستطيع العراق وهو الدولة المستقلة الأولى في المنطقة على علمه ..انه تساؤل للتهكم فقط ، بسبب خضوع العلم العراقي لأهواء المنقلبين والتعبويين خلال قرن من الان .
فما ان انقلب عبد الكريم قاسم على الحكم الملكي حتى التفت الى العلم وغيره بذريعة انه علم يشير الى حقبة ملكية في العراق بعد تحول الحكم الى جمهوري ، بيد ان عبد السلام وحين انقلب على عبد الكريم بمساعدة القوميين والبعثيين وقتذاك رأى ان العراق "القومي" يجب ان يكون علمه عروبيا فاستلهم من علم الجمهورية العربية بين مصر وسوريا علماً عراقياً يليق بمرحلته "القومية" .. وهو العلم الذي صمد رغم انقلاب السابع عشر من تموز حيث ان رفاقه الذين انقلبوا على سلطة أخيه عبد السلام عام 1968 لم يكونوا بعيدين عن الهوية العروبية التي كانوا يثقفون بها.. فحافظوا على العلم وبقي كما هو الى ان دخل صدام حسين صومعة تحويل الدولة العراقية الى مشروع "الحملة الايمانية". فكتب بين نجمات العلم الثلاث عبارة "الله اكبر" فأصبح للبلاد علم جديد .
وبسقوط نظام صدام حسين وحكمه في التاسع من نيسان عام 2003 بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة ومطاردتهم لرئيسه واستبدال الأخير بخمسة وعشرين رئيساً حكموا البلاد شهراً بعد اخر وفق الترتيب الأبجدي يقودهم حاكم مدني أمريكي اسمه "بول بريمر" علت أصوات من شمال الوطن برفض العلم العراقي بذريعة ان الطائرات التي كانت تقصف المدن العراقية في شمال البلاد كانت تحمل ذاك العلم ..وتم الاتفاق على استبداله بعلم اخر كان من السخرية انه لم يمرر خلال شهر حكم مسعود بارزاني الذي وضعته الأبجدية الرئيس الخامس والعشرين.
كان علماً يحمل اللونين الأبيض و الأزرق مذيلاً بخط اصفر مثل شعار حزبه الديمقراطي الكردستاني ..يومها كان الرفض كردياً وليس عربياً من قبل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني صاحب العلم الأخضر .
وبعد ان بات العراق مرتبكاً في المحافل الدولية التي لم تعرف ما هو العلم العراقي الرسمي للعراق ..تم الاتفاق على تغيير العلم "المسكين" ، حيث حذفت النجمات الثلاث وكتبت عبارة "الله اكبر" بالخط الكوفي إشارة الى ان الكوفة هي اول عاصمة للدولة الإسلامية بعد المدينة المنورة. وما زال علمنا تحوم حوله الشكوك لانه مازال علماً مؤقتاً واستثنائياً مثل كل شيء في بلادنا منذ ان وطأت قدم القوات الأمريكية الأرض العراقية.
ومن نافلة المصائب ان العلم الجديد بات لا يمثل العراق بأجمعه حيث كثرت إعلام الأحزاب والعشائر ..حتى بات وضع العلم العراقي مخجلاً عند بعض ساسة العراق من القومية الكردية ، يرفعون أعلاماً أخرى ولكن لا يرفعون العلم العراقي ، بل ان العلم العراقي تم حرقه حين أراد البعض ان ينفصل عن العراق وبدلاً عنه رفع العلم الاسرائيلي ..
انها معضلة علم تحمل ويلات ومصائب ساسته ، فقد تصفحت تاريخ الدول جميعاً فلم اجد ان علماً عاش محنة مثل شعبه كما عاش العلم العراقي الذي يحمل مصائب الحكومات المتعاقبة.
ورغم مرور أربعة عشر عاما على اتفاق رفع علم مؤقت لكن العاهل الإسباني حين زار العراق قبل ان تغلق سنة 2018 أيامها ذكرنا بأزمة علمنا فرفع العلم القديم على طائرته الخاصة ، رغم انه دخل العراق زائراً لقاعدة يتواجد فيها جنود إسبان تم استقطاعها من السيادة العراقية "رحمها الله" عند زاوية من مطار بغداد الدولي.
وأخيراً وليس آخراً يبقى اللاعب الكبير في قضية رفض العلم العراقي هو مسعود بارزاني الذي تحالف سياسياً مع تحالف المستثمرين بدماء الشهداء "تحالف الفتح" حيث يسعى هذا الرجل لتذكيرنا دائما ان علمنا لا يمثل له أي انتماء ولا هوية ورغماً عن الجميع فانه ما زال "عراقيا" وكلمته محترمة بين ساسة العراق ، ونواب حزبه يجلسون على مقاعد البرلمان العراقي في بغداد ، ويشرّعون القوانين للعراقيين جميعاً.
العلم العراقي بات مشكلة انتماء لانفصاليين وعراقيين على حدٍ سواء بعد ان كان قضية تغيير انقلابيين يسعون للحكم وترويج لمعتقداتهم الحزبية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
محمد السيد محسن

كاتب واعلامي عراقي