ardanlendeelitkufaruessvtr

نداء تونس.. حرب المؤتمرات

بقلم أمين بن مسعود نيسان/أبريل 15, 2019 248

نداء تونس.. حرب المؤتمرات
أمين بن مسعود
نداء تونس الذي دخل المؤتمر الانتخابي بعنوان استجلاب المغادرين والمستقيلين، يجد نفسه أمام معضلة تأمين بقاء المتبقين تحت مظلة شرعية واحدة، بعد أن تفرقت الشرعية الانتخابية على نداءين اثنين.
حالة من الاستعصاء يعيشها الحزب
ما تبقى من حزب حركة نداء تونس بعد حرب أزمة الانشقاقات والانسحابات والاستقالات، عاجز عن التواصل والاستمرار عقب حرب المؤتمرات بين مدينتي المنستير والحمامات. والآمال التي عُلقت على المؤتمر الانتخابي لضمان رتق الشقوق كانت مجرّد أوهام، سرعان ما تبخرت أمام حقيقة واقعية بأن حالة من الاستعصاء يعيشها الحزب تحول دون تحويله إلى حزب ديمقراطي ذي مؤسسات هيكلية وقيادة شرعية.
تمثل المؤتمرات الانتخابية لدى الأحزاب العادية فرصة سانحة لإدارة الصراع بين الأجنحة ولتأمين التمثيل لمختلف الآراء والأفكار تحت عنوان الشرعية الانتخابية التي يفرزها الصندوق، أما لدى غيرها فهي وصفة انفجار سياسي حيث تتولد منها شرعيات جديدة متناحرة.
نداء تونس الذي دخل المؤتمر الانتخابي بعنوان استجلاب المغادرين والمستقيلين، يجد نفسه أمام معضلة تأمين بقاء المتبقين تحت مظلة شرعية واحدة، بعد أن تفرقت الشرعية الانتخابية على نداءين اثنين؛ واحد في المنستير بقيادة حافظ قائد السبسي، وآخر في الحمامات برئاسة سفيان طوبال.
لا تموت الحركات السياسية دُفعة واحدة، بل تتقهقر بفرط الصراعات الداخلية ويتقلص حضورها في المشهد السياسي وتأثيرها في نظام الحُكم ومنظومة المعارضة، حتى إذا باتت على الهامش قفز مؤسسوها وأنصارها إلى الأحزاب الفاعلة، وصارت ذكرى في التاريخ وعبرة لكل فاعل سياسي بأن الصعود غير المهيكل قد ينجر عنه عجز عن الصمود أمام آلة الزمان ومنطق الأحزاب الحديثة.
عجز نداء تونس عن التحول من كتلة تاريخية -وهي الحالة التي وُلد عليها- إلى حزب سياسي مدني له هوية وهيكلية وقيادة واضحة، فللكتلة التاريخية منطقها وزمنها وللحزب السياسي مساره ومسيرته في المشهد السياسي.
الملاحظة هنا أن الكتلة التاريخية تحت عنوان نداء تونس، التي بُنيت على فكرة الدولة المدنية وإنقاذ مؤسسات الدولة التونسية من الأخونة ومن ثمة على التصويت الناجع ضد ممثلي حركة النهضة، هي ذاتها التي قوّضت فلسفتها وطبيعتها بعد التحالف مع حركة النهضة وبناء مسار سياسي مشترك من 2014 إلى 2017. فليس من طبيعة الكتلة التاريخية تقديم التنازلات ولا الدخول في تحالفات ضدية، فجوهر الكتلة التاريخية بناء البديل وفرض الخيارات، أما التعايش فهو ديدن الأحزاب السياسية.
في عام 2014 تخلى نداء تونس عن دوره ككتلة تاريخية وعجز عن التحول إلى حزب سياسي ذي مشروع واضح وشرعية انتخابية. ورغم كافة المبادرات السياسية لإنقاذه وانتشاله من حالة الضمور التي ضربته، إلا أن كافة المحاولات اصطدمت بحجرة إرادة فرض الأمر الواقع، وإسقاط الشرعية على شخصيات سياسية بعينها.
وبغض النظر عما حصل خلال حرب المؤتمرات الندائية من مناكفات وملاسنات، فإن الخُلاصة هي أن معايشة بعض الندائيين لواقع الانقسام والتشظي، أفضل وأيسر من تحمل تبعات الوحدة والوئام، وأن يكون الواحد من الخصوم والفرقاء على رأس أشلاء حزب بنصف شرعية أرتح لكبريائه من أن يكون أسفل القائمة لحزب موحد.
قوّة الأحزاب لا تتجسد في كاريزما المؤسس، ولا في قدرته على جمع الفرقاء وتنويع الروافد السياسية والفكرية، بل في قدرة القيادة الثانية التي تخلف جيل المؤسسين على حفظ الأمانة ومواصلة المشوار.
فإن كانت لدى القيادة الثانية العقلانية اللازمة في إدارة الصراع، والمسؤولية السياسية في المحافظة على مشروع الحزب، والاقتناع بشرعية الانتخابات الداخلية، سَهُل عليها فعل الانتقال والاستخلاف، وإن كانت تتمثل الحزب كغنيمة حزبية وقاطرة لتأمين مصالحها الضيقة، فإنه يصعب عليها تحمل الأمانة وتحميلها لغيرها من القيادة الثالثة.
لم يكن الرئيس الباجي قائد السبسي يتصور أن ورثة الحزب بعد وصوله إلى قصر قرطاج، سيكون بأسهم بينهم شديد، وأنهم سيعجزون عن التعايش المشترك تحت مظلّة نداء تونس.
الزلازل السياسية التي تضرب نداء تونس، سيكون لها وقع في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ذلك أن من طبيعة السياسة رفض الفراغ أو الحضور بالغياب، وعندما تسقط البدائل في مواجهة الإسلاميين، تصبح الأخيرة الرقم الصعب في المشهد السياسي لا بقوتها بل بضعف الآخرين، ولا بتماسكها بل بالتشظي المستمر للجبهات السياسية وللكتل التاريخية وتلك مأساة الطبقة السياسية التونسية.
كاتب ومحلل سياسي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)