ardanlendeelitkufaruessvtr

عهد جديد في السودان وترحيب بحفظ الاستقرار

بقلم د. سالم حميد نيسان/أبريل 15, 2019 141

عهد جديد في السودان وترحيب بحفظ الاستقرار
د. سالم حميد
يعتبر السودانيون أن ما تحقق يعد مكسبا مهما كانت عوائق بناء الشرعية الجديدة، في ظل إصرار المحتجين على صياغة قواعد المرحلة الانتقالية، مقابل أولويات لدى الجيش تركز على ترسيخ استقرار يفضي إلى عملية سياسية لاحقة.
التحول السياسي في السودان عكس انهيار شعبية نظام البشير
مضت ثلاثون عاما في السودان تلوّن خلالها نظام الحكم بمزيج من الدكتاتورية العسكرية، التي ارتدت ثوب الإسلاموية، وفي النهاية سقط الجنرال عمر حسن البشير الذي ظل يلوح بعصاه في وجوه من يطالبونه بإيقاف العبث والانهيارات الاقتصادية. ومع رحيله عن السلطة بدأت مرحلة جديدة من العمل، بالتعاون بين المجلس العسكري الانتقالي الذي استلم السلطة، وبين القوى المدنية التي مهدت للتحول الجديد وسعت إليه.
وخلال الفترة القادمة تتجه الأنظار نحو الخرطوم، لمعرفة كيف سيبدأ السودانيون الترتيب لوضع بلدهم من جديد في مسار السلام والاستقرار، والالتفات لمعالجة أخطاء الماضي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ووقف الحروب الداخلية، وإقناع المجموعات المسلحة بانتهاج خيارات سياسية لطرح مطالبها. ولأن التحولات التي تحدث في أفريقيا غالبا ما تكون عنيفة عسكريا، ولا تخلو من انتقامات وتجاوزات وانتهاكات تؤدي إلى إزهاق للأرواح، فقد كان حرص الجيش السوداني على حماية الأمن والاستقرار محل ترحيب وتأييد. ولا شك أن دروس الانهيارات الأمنية المصاحبة لسقوط الأنظمة تدعو إلى الحذر وإلى منح أولوية قصوى للاستقرار وضبط الأمن.
وعلى ضوء التطورات في المشهد السوداني، بادرت دول الخليج الكبرى بتأييد خيار الشعب السوداني، ووجهت قيادة دولة الإمارات بالتواصل مع المجلس العسكري الانتقالي لبحث مجالات المساعدة للشعب السوداني في ظل الظروف الحالية. وفي هذا السياق جرى الترحيب بالخطوات التي تمت، وصولا إلى اختيار عبدالفتاح البرهان لرئاسة المجلس العسكري الانتقالي.
وفي موقف مماثل أيدت المملكة العربية السعودية خيار السودانيين، ودعمت ما اتخذه المجلس العسكري الانتقالي من إجراءات، ودعت الشعب السوداني، بكافة فئاته وتوجهاته، إلى تغليب المصلحة الوطنية وبما يحقق تطلعاتهم وآمالهم في الرخاء والتنمية والازدهار. وجاء ترحيب دول الخليج الكبرى بالتحول السياسي في السودان في ظل ارتباك قطري وتركي واضح، لأن النظام السابق كان يمنح الدوحة وأنقرة وعودا ومصالح هناك شكوك بشأن استمرارها في ظل العهد الجديد.
وعَكَسَ التحول السياسي في السودان انهيار شعبية نظام البشير، إذ لم يعد يوجد في السودان وخارجه من يتعاطف مع النظام الذي قام على التحالف مع الإخوان المسلمين، الذين كانوا طوال ثلاثة عقود شركاء مع النظام السابق في الفساد والفشل. كما أن الوضع البائس الذي وصل إليه السودانيون في عهد البشير، يجعل آفاق المستقبل مفتوحة على احتمالات إن لم تكن أفضل فإنها لن تكون أسوأ مما مضى، وخاصة أن نظام الإسلاميين الفاشل تحول إلى سلطة لحماية الفقر والجوع والحروب المتفرقة داخل أقاليم السودان.
ورغم الخلاف الذي حدث بين عمر البشير وبين جناح الإخوان الذي كان يقوده شريكه السابق حسن الترابي، إلا أن البشير ظل يحكم برعاية وحماية جناح إخواني آخر موال له، استمر يتنعم بمكاسب السلطة، في بلد يشكو سكانه من البطالة والركود الاقتصادي والعزلة السياسية، إلى أن تآكلت شرعية التحالف بين الإسلاميين وبعض قادة الجيش المتأسلمين وعلى رأسهم البشير. ومنذ عام 1989 الذي شهد صعود البشير بانقلاب مدعوم من جماعة الإسلام السياسي، عمل الطرفان على تحويل السودان إلى بيئة صديقة ومساعدة للإخوان والحركات الدينية في أفريقيا والمنطقة العربية، حيث قام النظام السوداني بأدوار لوجستية متعددة من خلال احتضانه مؤتمرات وتجمعات إخوانية، آخرها استضافته مجموعات من الإرهابيين الهاربين من مصر.
كما فتح البشير أراضي السودان للاستثمارات التي أسهمت في تنمية جزء من أموال وثروات شخصيات معروفة بارتباطها بالإسلام السياسي، مرورا باستثمارات زعيم ومؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي أقام سنوات في ظل حكم جبهة الإنقاذ. كما كانت أفلام مغامرات الجهاد في أفغانستان أحد أبرز ما يتم استعراضه في المخيمات التي كانت يستضيفها السودان للتجمعات الإسلامية الجهادية.
صحيح أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة كانت تجعل عمر البشير يرمي أوراقه في كل الاتجاهات، مهما كانت متناقضة سياسيا ومختلفة استراتيجيا. إذ كان يسعى إلى الإبقاء على علاقات شبه جيدة مع دول الخليج الكبرى، في الوقت الذي يتودد فيه إلى قطر، ويمنح تركيا امتيازات مريبة وغير مقبولة بمنطق الأمن القومي العربي في البحر الأحمر. كان البشير أيضا يختزل المشهد السوداني في حماية نفوذه وإطالة عهده الفاشل، الذي تسبب في تقسيم السودان وجعل الانفصال خيارا جاذبا للجنوبيين، الذين لم يعثروا في الوحدة على المساواة والعلمانية والتعايش والتسامح، وقرروا النأي بأنفسهم عن الشمال الذي استولى عليه تيار الإسلام السياسي من أجل السيطرة على السلطة. كما ازدهرت في عهد النظام السوداني السابق الحروب الداخلية التي استنزفت موارد وأرواح السودانيين.
الأمر الوحيد الذي نجح فيه البشير هو تقديم صورة مبكرة منذ التسعينات عن حجم الفشل والعجز وغياب الوعي الإداري والاقتصادي والمستقبلي عند الإسلاميين. لذلك عندما أتيحت الفرصة لتنظيم الإخوان في مصر للصعود إلى الحكم بعد سقوط نظام حسني مبارك، كان نظام البشير المتحالف مع الإخوان قد سبقهم في الفشل والتخريب والعبث الاقتصادي والأمني الذي أوصل السودانيين إلى طريق مسدود.
وعلى خلفية احتجاجات شملت منذ أشهر مدن ومناطق السودان، أعلن الجيش السوداني اقتلاع النظام القديم والتحفظ على الرئيس السابق. ورغم أن بعض القوى السياسية المدنية في السودان لا تزال تضفي بعض الضبابية على المشهد، من خلال اعتراضها الهادئ على مدة الفترة الانتقالية التي حددها الجيش بعامين، إلا أن الحوار بين المجلس الانتقالي والقطاعات المهنية والسياسية السودانية الأكثر تنظيما سيقود إلى تشكل إجماع متوقع بشأن الفترة الانتقالية وطبيعة إدارتها.
حتى الآن يبدو أن المكسب الذي تحقق هو عودة السودان إلى مربع الصفر، ويعتبر السودانيون ذلك مكسبا مهما كانت عوائق بناء شرعية جديدة، في ظل إصرار المحتجين على صياغة قواعد المرحلة الانتقالية، مقابل أولويات لدى الجيش تركز على ترسيخ استقرار يفضي إلى عملية سياسية لاحقة. ومهما كان الجسر الذي سيعبره السودانيون للوصول إلى نظام سياسي جديد، إلا أن مهمته ستكون واضحة، وهي معالجة الأخطاء الكارثية لنظام البشير الذي ادعى أنه المنقذ، وأمضى ثلاثين عاما كانت كلها سنوات من الفشل.
رئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث- دبي

قيم الموضوع
(0 أصوات)