ardanlendeelitkufaruessvtr

استراح السودان من البشير.. فمتى يستريح العالم من التبشير

بقلم سعد القرش نيسان/أبريل 24, 2019 54

استراح السودان من البشير.. فمتى يستريح العالم من التبشير
سعد القرش
الأمنية لا تخص الإسلام وحده، وإنما الأديان التبشيرية، ولتكن هذه الهدنة لعام واحد فقط، يتنازل فيه أتباع كل دين عن الحلم باكتساب أتباع جدد إلى دينهم، والإيمان بعدم جدوى التبشير.
عقود من الشريعة ولا دليل على زيادة الإيمان في السودان
تزامن موت الرئيس السوداني السابق جعفر النميري، عام 2009، مع الحكم بأربعين جلدة على سودانية تعمل في منظمة الأمم المتحدة، لإدانتها بتهمة ارتداء زيّ غير محتشم. انشغل المحتسبون الجدد والسلطات السودانية بسروال لبنى حسين. ولم يعلن مواطن أنه تأذى لرؤية ذلك السروال الأخضر الفضفاض، أو أنه أثار انتباهه. وارتدت “المتّهمة” البنطلون نفسه عند مثولها أمام المحكمة، واختارت أن تدفع الغرامة. ثم امتنعت عن سدادها، فقضت محكمة في الخرطوم بسجنها شهرا.
جرى إشغال الرأي العام بقضية البنطلون، تلك الدعابة الجادة، قبل عامين على فقدان 620 ألف كيلومتر من الدولة السودانية، وانفصلت عن دولة السودان دولة أقل قليلا من مساحة فرنسا. وعلى هذه المساحة المقتطعة أقيمت دولة جنوب السودان التي انتظر أهلها، قبل الاستفتاء على الانفصال، ما أطلق عليه سلفا كير “الوحدة الجاذبة”، ولم يكن لمثل هذه الوحدة لتستمر في ظل سلطة سياسية تحتمي من غضب الشعب بسلطة الدين، في سياق عربي وإسلامي يتجاهل فقه الأولويات، ويلهي الناس بتجييش “دعاة” لا عمل لهم إلا إعادة اكتشاف الله، والعكننة على خلقه، وابتداع وظيفة هداية المسلمين إلى الإسلام، وصرف الأنظار عن جوهر الدين وهو العدل الذي لا يتحقق في ظل الاستبداد.
مضت عقود على اعتماد ما سُمّي بالشريعة الإسلامية في السودان عام 1983. سجن من سجن، وأعدم من أعدم، وأفلت من السجن من نجح في تدبير خطة للهروب والاستقرار خارج الأسوار. وخلع جعفر النميري عام 1985، بعد أن أشعل نيران الحرب الأهلية. وبطريقة الصعود نفسها بدأ حكم العقيد عمر البشير عام 1989، وبعد ثلاثين عاما في التيه خلعه الشعب الغاضب، من دون أي دليل على زيادة منسوب الإيمان لدى السودانيين، أو ادعاء بأن الله زاد الإسلام عزا بفضل النميري والبشير. ولن يفكر عاقل في تسريح جيوش “الدعاة”، في السودان وغير السودان، وتوجيههم إلى توعية الشعب بحقوقه في العدل السياسي والاجتماعي، أو على الأقل في الاستفادة بفائض طاقة “الدعاة العاطلين”، ولو في تشجير الطرق وتنظيف الشوارع والساحات من تلوث سمعي يمارسه زملاؤهم وصبيانهم في مكبرات الصوت ووسائل النقل.
ربما وجب الآن التفكير في تسريح هؤلاء، بعد أن تبين أنهم مثل الإطار الاحتياطي، الخامس، مجرد “استبن” في سيارة تكفيها أربعة إطارات. ولا تتسع الموجة الثانية من الثورات العربية، في السودان وآمل أن يكون ذلك في الجزائر، لمن يظنون في الناس ظن السوْء، وهو الوعي المحدود بالدين والحياة. ويعلم المسلم الحق أن الله لو أراد للناس أن يدخلوا في الإسلام كافة، ما استغرق الأمر إلا قول “كُنْ”، فلماذا يحمّل البعض أنفسهم مسؤولية كفر من يكفر، وإلحاد من يلحد، ويتتبع عوراتهم في البيوت بالتجسس، ويتلصص عليهم ويراقبهم، ويحدد لهم ما يرتدون؟
في العالم الآن سبعة مليارات إنسان تقريبا، يدينون بالديانات السماوية والأرضية، “ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم”. فلماذا المزايدة على الله، وتعذيب الأنفس، بالمسؤولية الوهمية عن بقاء غير المسلمين على ما يعتقدون أنه الدين القيّم؟ ماذا يستفيد الله عندما يدخل “الناس في دين الله أفواجا”؟ ألا يوجد من يتفقه قول القادر على كل شيء وكل أحد: “ليس عليك هداهم”، ويتدبر حديث “يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا”، فالله غني عن العالمين.
من المليارات السبعة نحو 2.7 مليار مسيحي. ونحو 1.5 مليار مسلم يسرّهم إتقان حرفة الكلام والاستعلاء الديني دائما والعرقي أحيانا، ويستأثرون بالجنة، ويزعمون أنهم “خير أمة” من غير التفكير في استحقاق هذا التمايز. وهم لا يزرعون ما يكفيهم من الغذاء، ولا يصنعون الأدوية لعلاج مرضاهم، ولا يبتكرون أسلحة يدافعون بها عن حدودهم، وهم أكثر استهلاكا لأسلحة يجبرون على شرائها ولا يستخدمونها.
مضى 36 عاما على إطلاق النميري قذائف شقت الصف الوطني، واستمر النحر حتى انفصل الجسد عن الجسد، من دون أن يجني السودان شيئا إلا المزيد من الفقر والقهر. بعد تجربة النميري/ البشير، ولها تجارب شبيهة لا تقل بؤسا في المحيط الإقليمي، أليس من الأجدى فصل النسبي عن المطلق، وتأسيس دولة تترك ما لله لله وحده، فيتوقف احتكار اليقين بحرمان الآخر من الأبدية والخلود في النعيم؟
استراح السودان من البشير، فمتى يستريح العالم من التبشير؟ الأمنية لا تخص الإسلام وحده، وإنما الأديان التبشيرية، ولتكن هذه الهدنة لعام واحد فقط، يتنازل فيه أتباع كل دين عن الحلم باكتساب أتباع جدد إلى دينهم، والإيمان بعدم جدوى التبشير، وأن إضافة شخص قادم من الوثنية أو مرتد عن دين منافس لا تزيد في ملك الله شيئا، ولا تسيء إلى الدين القديم، ولا تمنح شرعية للدين الجديد الذي لن يصيبه مكروه لو ارتد عنه بضع مئات من الملايين. وفي العالم 14 مليون يهودي يمدّون العالم بوسائل للقتل يعجز عن صدّها مسلمون لم ينفعهم إيمانهم وتنطعهم، لأن عمارة الأرض والسياسة العامة ليس من مهامهما أن يسوق الحاكم شعبه إلى الجنة، إيمانا بآية “ليس عليك هداهم”.
من الحقائق والمسلمات أن أتباع هذا الدين أو ذاك يرون أنفسهم على الحق المبين، والآخر هو الجحيم، وسيخلد في جهنم وبئس المصير. وهذا حقهم في الاعتقاد ما لم يُترجم الشعور الفوقي الاستعلائي الاحتكاري إلى وصاية على الناس، وإجبارهم على سداد “بدل إيمان”.
ومن الحقائق أيضا أن الأديان لا يفنيها القمع والمطاردة والمصادرة، وقتل أنبيائها وإعدام رموزها. فمن أنهار بلاد الرافدين انطلق الصابئة المندائيون إلى أقصى الأرض، إلى السويد وكندا وأستراليا، وهم موحّدون يتبعون يحيى عليه السلام، ودينهم غير تبشيري ولم تقض عليه حروب دينية. وكذلك البهائية وأتباعها بضعة ملايين يواجهون الإنكار والاحتقار، في محيط إسلامي كثيف يخشى على تقواه من بنطلون امرأة.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)