ardanlendeelitkufaruessvtr

الصين تزاحم على الهيمنة العالمية

الصين تزاحم على الهيمنة العالمية
سلام السعدي
الهدف الصيني المعلن من مشروع طريق الحرير هو تحقيق شراكة اقتصادية وثقافية بين دول العالم وتبادل المنافع الاقتصادية. لكن الحقيقة أن التطور الاقتصادي الصيني خلال العقود الماضية ولد فائضا ضخما من رؤوس الأموال، وهو ما يحتاج إلى الاستثمار.
فعالية غير مسبوقة في السياسة الاقتصادية
لم تكد الولايات المتحدة الأميركية تستمتع بموقعها الجديد كقوة عالمية عظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حتى برزت قوة جديدة تزاحمها وتهدد بالإطاحة بها. إنها الصين التي شهدت أسرع تطور اقتصادي على مرّ التاريخ خلال العقود الثلاثة الماضية، وتبدو اليوم كما لو أنها انتقلت لجني ثمار تطورها على شكل هيمنة عالمية.
يعتبر منتدى “الحزام والطريق” الذي اختتم أعماله الأسبوع الماضي في العاصمة الصينية بكين مؤشرا هاما على توسع الهيمنة الصينية واقتراب تنحية الولايات المتحدة عن عرش أكبر قوة اقتصادية في العالم. إذ أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أن الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بلغت أكثر من 64 مليار دولار. كما سبق المؤتمر انضمام إيطاليا إلى المشروع الصيني لتكون أول دولة في مجموعة السبع الصناعية تنضم إلى هذا المشروع الهادف لإحياء طريق الحرير القديم وإعادة ربط الصين بقارات العالم. ويشمل المشروع إقامة السكك الحديدية والطرق السريعة والمرافئ لإتاحة نقل البضائع، وانضم إليه حتى الآن نحو 65 بلدا.
شاهدت الولايات المتحدة وأوروبا صعود الصين الاقتصادي بسرعة جنونية خلال العقود الماضية برضا نسبي. إذ كانت القناعة السائدة أن الانفتاح الاقتصادي سوف يقود إلى الانفتاح السياسي عاجلا أم آجلا، خصوصا مع نمو القطاع الخاص وظهور طبقة وسطى متعلمة وهو ما سيساعد في نشوء مجتمع مدني مستقل يدفع نحو الحريات الفردية والديمقراطية السياسية. حققت الصين الجانب الأول من المعادلة، أي الانفتاح الاقتصادي والتطور الاجتماعي، بمستويات فاقت حتى أشد المتفائلين لكنها حافظت على نظام سياسي مغلق، بل يزداد انغلاقا.
في الوقت الحالي، تعتبر الصين الأولى على مستوى مالكي المنازل، ومستخدمي الإنترنت، وخريجي الجامعات، وحجم البضائع المصدرة للخارج، وتحظى بحضور مهيمن ضمن قائمة أغنى أغنياء العالم. انخفض معدل الفقر الشديد إلى واحد بالمئة فقط. وقد حققت الصين ذلك بمزيج من السياسات الاقتصادية الرأسمالية الحرة مع دور قوي للدولة.
كانت القناعة السائدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن الاستراتيجية الصينية محكومة بالفشل وستقود إلى الانهيار، تماما كما حصل مع موسكو. ولكن الصين تحدت التوقعات، لا على صعيد استمرارها واحتفالها العام الحالي بالعقد السابع فحسب، بل أيضا بالفعالية غير المسبوقة لسياستها على مستوى الاقتصاد، إذ حققت نموّا اقتصاديا مرتفعا وغير منقطع على مدى ثلاثة عقود.
الدولة التي كانت تنظر إليها الولايات المتحدة على أنها زراعية وفقيرة إلى حد كبير في مطلع الثمانينات أصبحت المنافس الأقوى والأوحد، للولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
الهدف الصيني المعلن من مشروع طريق الحرير هو تحقيق شراكة اقتصادية وثقافية بين دول العالم وتبادل المنافع الاقتصادية. ولكن الحقيقة أن التطور الاقتصادي الصيني خلال العقود الماضية قد ولد فائضا ضخما من رؤوس الأموال، وهو ما يحتاج إلى الاستثمار.
يعتبر الهدف الرئيسي لطريق الحرير، إذن، هو غزو أسواق جديدة وفتحها أمام البضائع التي يجري إنتاجها في الصين. بدأ الصراع على الأسواق مع تطور الرأسمالية وكان أحد الأسباب الرئيسية في نشوب الحربين العالميتين الأولى والثانية. وتبدو الولايات المتحدة مدركة للخطوة الصينية من خلال تصعيد إدارة دونالد ترامب لسياستها الاقتصادية والتجارية تجاه بكين.
كما تقوم الصين بتوظيف فائض رؤوس الأموال لديها من خلال برامج الإقراض الميسر التي أطلقتها خلال العقد الماضي وتعمل على توسيعها في السنوات القادمة. تقدم الصين قروضا للدول النامية، الأفريقية منها على نحو خاص، وتعوضها عن قروض صندوق النقد الدولي التي اكتسبت سمعة سيئة للغاية بسبب الشروط الاقتصادية والسياسية التي تترافق معها. بالمقابل فإن شروط القروض الصينية ميسرة، إذ ليس على الدول المقترضة أن تغير من سياساتها الاقتصادية ولديها الحرية المطلقة في توظيفها بالمشاريع التي تراها مناسبة. كما لا تخضع القروض واستخداماتها للرقابة، مثلما هو الحال مع صندوق النقد، وهو ما يوسع من فرص الفساد.
الأهم ربما هو أن الدول المقترضة لا تستطيع سداد الديون في الأمد المنظور وسيتطلب ذلك عقودا طويلة تكون في أثنائها عرضة لضغوط بكين. يمكن أن توظف الصين تلك الورقة لبناء تحالف سياسي ولدفع الدول المقترضة للتصويت بما يتوافق مع سياساتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
توفر تلك الحقائق أرضية لاشتعال الصراع بين بكين وواشنطن في الفترة القادمة، ولتحوّل العلاقة بين الجانبين من التعاون إلى الحرب الاقتصادية. لا يجب أن ننسى أنه، ولعقود طويلة، ساهمت الولايات المتحدة في صعود بكين باعتبارها أكبر مصدر للواردات الصينية وبعجز تجاري أميركي هائل كان مثار دهشة وسخرية خلال حملة دونالد ترامب الانتخابية، وربما كان أحد أسباب وصوله إلى الحكم.
ولكن المؤرخين يتحدثون عن نمط مشابه ومتكرر على مدار التاريخ، إذ غالبا ما ارتقت الدول الصاعدة بمساعدة الدولة العظمى المهيمنة، لتزاحمها على عرشها ولتطيح بها في نهاية المطاف.
كاتب فلسطيني سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)