طباعة

"أنا الهوى هوايا"

بقلم حكيم مرزوقي أيار 10, 2019 220

"أنا الهوى هوايا"
حكيم مرزوقي
السائق رجل نزق، يدمن على سماع أخبار محطة إذاعية ذات توجه ديني متشدد، يشتم زملاءه من مستعملي الطريق، وينتقد كل من كان على غير مزاجه من الركاب فور نزوله، فيؤيده الجميع بحماس شديد، في نوع من "الغريزة القطيعية" الواضحة.
رحلة عبر سيارة الأجرة
شاءت المصادفة، هذا الصباح، أن يتقاسم الجاران المتخاصمان، منصف ومنجي، نفس المقعد في “الميكروباص” أو ما يسميه التونسيون، تلطيفا، بـ”التاكسي الجماعي”، والذي يتسع إلى بضعة ركاب، يضرب كل واحد منهم على كتف من هو أمامه لمد السائق بأجرة الطريق في نوع من الخدمة الذاتية “المزعجة”.
السائق رجل نزق، يدمن على سماع أخبار محطة إذاعية ذات توجه ديني متشدد، يشتم زملاءه من مستعملي الطريق، وينتقد كل من كان على غير مزاجه من الركاب فور نزوله، فيؤيده الجميع بحماس شديد، في نوع من “الغريزة القطيعية” الواضحة. من ينزل من الركّاب، ينال نصيبه من النقد، وحتى الشتيمة التي يباركها الجميع، لاسترضاء السائق ونيل استحسانه.
انتقادات تتمحور حول طلب راكب إنزاله في مكان غير مناسب، أو المد بورقة مالية، يراها السائق عالية القيمة، ولا يجد لها صرفا نقديا، أو حتى هيئته وهندامه وطريقة تصرفه ولباسه في هذا الفضاء الذي يمتلك فيه السائق النزق، سلطة مطلقة في التحكم وإدارة الحديث.. وما على الركاب الخانعين إلا تأييده ومجاراته، منجي الذي يتمايل على أنغام أغنية غربية يستمع إليها من خلال الهيدفون في جهازه، يخشى أن ينزل فيتناوله السائق بالانتقاد فور نزوله، أمام صديقه اللدود، وكذلك يحاول منصف، أن لا يغادر “المركبة الورطة” قبل نزول جاره، وكي لا يكون وجبة شهية، ومجانية، للسخرية في هذا الصباح، خاصة وأنه يلبس قميصا غير مكوي، وحذاء لا يتناسب مع لون بنطلونه.
كان على منجي، أن ينزل عند هذا الموقف الذي تنتظره فيه حبيبته التي تعرف إليها من يومين، لكنه تجاوزه وهو ينظر إليها من خلف الزجاج تحمل باقة ورد وشوقا كبيرا إليه.
وأضاع منصف، موعد مقابلة مع لجنة إدارة شركة كان يحلم بالعمل فيها.. كل ذلك، بسبب بقاء منجي إلى جانبه في مقعد “الميكروباص”، واستمرار السائق في شتم وانتقاد من ينزل من الركاب.
تصل المركبة إلى آخر نقطة وصول، وليس على متنها غير منجي ومنصف. يطلع إلى دفة القيادة سائق ثان على سبيل المناوبة. يبدأ في انتقاد زميله على مسمع من الراكبين، منجي ومنصف، كتقصير سلفه في تغيير زيت المحرك وما شابه ذلك من عدم العناية بالسيارة. يضع الراديو عند محطته المفضلة، ويستقر عند أغنية عبدالحليم “أنا الهوى هوايا”، يدفع منجي ومنصف أجرة جديدة أخرى للطريق، ويعودان إلى المنطلق كي لا “يتمتع” واحد منهما بسماع شتيمة الآخر.. وما زالا كذلك إلى الآن.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)