ardanlendeelitkufaruessvtr

من وحي ابن خذام

اثير الشمري

لم تنعم البشرية منذ القدم بما تنعم فيه الآن من تواصل وترابط فكري واجتماعي وثقافي واقتصادي، جعل من ثقافات العالم الحاضر بمختلف مفاصلها مؤثرة في الأخرى؛ بل لا تكاد تنفصل عن بعضها.

في زمان مضى كانت الحضارات و الثقافات تقبع في نقطة صغيرة لا تكاد تعرف؛ حتى تتلاقى مع غيرها فتصبح بعدها ممراً تجارياً مهماً، أو واحة اقتصادية، أو سوقاً ثقافياً ، أو إمبراطورية عظمى عسكرية أو علمية.

لم يشذ أسلافنا قاطنوا الجزيرة العربية وشمالها وشمال افريقيا -الدولة المسلمة- من هذه القاعدة، بل هم المثال الأوضح، فرفقتهم مع الروم والهند اكسبتهم -مثلا- وحي صنع الاساطيل وسبر أغوار البحار ؛ بالرغم من أنهم أخلاء لرمال الصحراء، ومع الفرس والمصريين الذين تعلموا منهم العمران والتوطن، بالرغم من أنهم غالباً بدو رحل؛ لتشهد بعد ذلك بلدان هذا الامتداد الجغرافي بما يصدق عليه بالثورة العمرانية.

لا ينبغي نسيان الجانب الآخر من الحضارة وهو العلم، فلولا حركة الترجمة عن اليونان و روما التي نشأت ابان العصر العباسي، لما آن حينها أن تظهر العلوم الفلسفية والاجتماعية التي القت بظلالها على ظهور العلوم الطبيعية وطورتها فيما بعد لتصل الى شرق العالم وغربه، وحسبك سلوك الفكر الديني سلوكا اضافياً بعدما كان متاثرا بالنقل والمأثور ليلحق بهما العقل، الذي نشأت عنه الفلسفة الاسلامية وظهور علم الكلام والمنطق، فضلاً عن ظهور فرق مسلمة تاثرت بمخرجات تلك الحركة.

العصور الحديثة كانت الجانب الاقرب والاوضح لنا، فيقص لنا التاريخ إدخال "فرنسيو بونابرت" الطباعة الى مصر ومن ثمة إلى العالم العربي لتمهد بعد ذلك بما عرف بالنهضة الفكرية الحديثة، بسبب ما هيأته من إنتشار الصحافة والمطبوعات التي وسعت من قاعدة القراء والمثقفين غير التقليديين.

اما ما عاصرناه مع الغرب اليوم فكانت إحدى توجهاته -ثورجية- بامتياز ، فحيث لم يستطع العرب ان يجتمعوا على صناديق الاقتراع؛ حينها جمعتهم مواقع التواصل الاجتماعي ليقرروا مصيرهم بينهم "بغض النظر عن مآلها"، اما التوجه الاخر فتوجه علمي سهل في الوصول الى المعارف ونحن جالسون نرتشف قهوة على انغام فيروز وعبد الوهاب، الذي سينتج -نظرياً- نهضة فكرية مرتقبة.

أما الفنون، والتي يصنفها البعض بانها مرآة الحضارة وبيان الثقافة، فانها تاثرت كذلك بالغرب والشرق، فسلمنا الموسيقي يسمى بالشرقي، والآتنا سومرية و مصرية وأوروبية، ومقاماتنا فارسية وآذرية وتركية، وكذا النحت والعمارة وسائر الفنون.
لا يعني كل هذا باننا لسنا ذوي ثقافة او حضارة أصيلة، إذ ما عرفنا ان ليس هنالك شيء اصيل، فالكل متأثر بالكل، لكن يبقى الاستعداد الى تطوير المتلقى، والفضل في نشوء بعض جوانب الحضارة هو الفيصل في تمييز ثقافة وحضارة عن اخرى.

كل ما تكلمنا به يمكن أن نطلق عليه تزاوج الحضارات، فنتاثر تارة ونؤثر اخرى.

واذا ما اردنا دفن الحاضر والإتكال على قصص رواد الماضي عن تقليد الغير، فلن يزيدنا إلا ضياعاً لمستقبلنا الحضاري بعد فجوة استمرت لقرون عديدة؛ حاولنا فيها ان نصدر ابن سيرين قبالة ابن هوكينغ وشاكلته ممن سبقوه.

وإن استمرار الحال على ما سبق في النفور من الغرب والشرق، حينها سينشد أحفادنا عنا :
عوجا على الطلل المُحيل لعلنا
نبكي الديار كما بكى ابن خُذامِ

ولعمري من يعرف ابن خذام؟!

قيم الموضوع
(3 أصوات)