ardanlendeelitkufaruessvtr

مستقبل الفلاحة التونسية رهن أصوات الناخبين

مستقبل الفلاحة التونسية رهن أصوات الناخبين
علي قاسم
إزالة الحواجز وتقليص الدعم لعب بلقمة عيش التونسيين، لأن هذه السياسة قد تؤدي إلى إفلاس معظم المزارعين.
الوقوف إلى جانب الفلاح
تواجه الحكومة التونسية ضغوطا داخلية كبيرة، لإجبارها على التراجع عن توقيع اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، بسبب ما يرى فيه المنتقدون عدم توازن في قوى الإنتاج بين تونس وأوروبا، خاصة في القطاع الزراعي.
وبينما ترى الحكومة أن تونس في حاجة ملحة إلى الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، للخروج من الوضع الاقتصادي الخانق، ترى أطراف أخرى أن أهم معركة هي الأمن الغذائي.
فتح القطاع الزراعي، حسب المعارضين، يهدد هذا القطاع بالاندثار، حيث مستوى متوسط المساحات المزروعة في 75 بالمئة من المؤسسات الزراعية لا يتجاوز 10 هكتارات، ولا يتجاوز عدد الأبقار فيها الثلاث بقرات، بينما يستغل الفلاح الفرنسي خمسين هكتارا في المتوسط ويحتفظ بخمسين بقرة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن مستوى الإنتاج وإمكانيات الحصول على قروض لا يؤهلان القطاع للدخول في أي منافسة عادلة مع الإنتاج الزراعي للاتحاد الأوروبي.
لا يمكن الحديث عن خطة جدية للتنمية دون الأخذ بعين الاعتبار تطوير القطاع وفق مخططات علمية تضمن الاستغلال الفعّال للإمكانيات والكفاءات المحلية، وتحقق الاستقلالية والاكتفاء الذاتي، وتجنّب الدولة الارتهان بهيئات النقد الدولية لتغطية العجز التجاري.
ضمن الظروف الحالية ستكون لاتفاق التبادل الحر آثار سلبية على العديد من القطاعات الاقتصادية التونسية، حيث سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الواردات وانخفاض في الصادرات.
ورغم أن السياسة الحمائية مرفوضة في اقتصاد السوق المفتوح، إلا أن دراسة حول الأمن الغذائي بينت أن البلدان المتقدمة تتبع هذه السياسة وتدعم قطاعها الزراعي، بينما تتبع البلدان الأقل نموا سياسة ليبرالية، فكانت النتيجة أن زادت البلدان الأولى في تحسين أمنها الغذائي، بينما عرفت البلدان الأقل نموا زيادة في تدهور ميزانها التجاري الغذائي.
إزالة الحواجز الجمركية وتقليص الدعم للقطاع، هما “لعب بالنار وبلقمة عيش التونسيين”، فمن شأن هذه السياسة أن تؤدي إلى إفلاس الغالبية العظمى من المزارعين.
الحديث عن مرحلة تمهيدية، يتم فيها تأهيل القطاع من أجل تحضيره لمواجهة منافسة المنتوجات الأوروبية، مغالطة مفضوحة، بالنسبة إلى المعارضين، فهي غير واقعية يستحيل تحقيقها؛ فمن جهةٍ المديونيةُ والضغطُ على الأجور يعمقان التبعية، ومن جهة أخرى يعيقان إمكانية رفع الإنتاجية والتنمية الحقيقية.
كما تمنع خدمة الدين، الادخار والاستثمار الداخلي، وتفتح الباب أمام الشركات الأجنبية لاستغلال اليد العاملة التونسية ذات التكاليف البسيطة، وتبقى حرية التنقل بين ضفتي المتوسط محصورة في السلع والاستثمار، تستثنى منها اليد العاملة، الأمر الذي سيسبب مزيدا من الضغوط على كتلة الأجور.
الصورة التي تقدمها أحزاب المعارضة وقوى المجتمع المدني، وإن بدت منطقية ومترابطة، تخفي جزءا من الحقيقة، وتعرض المشهد من زاوية واحدة، وتحجب الأزمة الخانقة التي تعيشها الفلاحة، التي تراجعت في السنوات الأخيرة.
وتظهر الأرقام أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي تقلصت من 17 بالمئة في تسعينات القرن الماضي إلى 8 بالمئة حاليا، إضافة إلى العجز المتواصل في تغطية الواردات الغذائية، الذي يناهز 30 بالمئة اليوم.
ويتميز القطاع بمردودية ضعيفة مقارنة مع المعدّلات العالمية، وتعاني الفلاحة التونسية صعوبات كبرى حيث تواجه أزمة مياه وتعيش على رحمة موسم تساقط الأمطار. كما تعاني من صعوبات لوجستية تتعلق بالتصدير وتنظيم المسالك الرسمية.
وكما هو الحال بالنسبة إلى مختلف القطاعات، تعود مشكلات الفلاحة إلى سلسلة من التراكمات والسياسات الارتجالية، أولى هذه المشكلات تتمثل في الأمية الفلاحية، التي تشكل عائقا كبيرا أمام استخدام التكنولوجيا، وما تتطلبه المنافسة الدولية من قدرة على المواكبة والتكيف السريع مع تقنيات الإنتاج.
كما يعاني القطاع من معضلة التهرم، وعزوف الشباب عن ممارسة الأنشطة الفلاحية، وهو ما يفسر التراجع الملحوظ في إيرادات القطاع على مستوى الناتج الإجمالي.
الإشكالية الثانية تكمن في تراجع مردودية القطاع، ما انعكس على حجم الإنتاج بصفة عامة، فالتكاليف المرتبطة بالفلاحة تشهد منذ سنوات ارتفاعا متواصلا، إذ ازدادت تكلفة اليد العاملة والأسمدة والتجهيزات وكذلك المحروقات، التي ارتفعت أسعارها بشكل متسارع لتحتل اليوم النصيب الأكبر من تكلفة الإنتاج.
وبفعل هذه الزيادات يجبر الفلاحون على رفع أسعار البيع لتغطية تكاليف الإنتاج الإضافية التي تقلّص هامش الربح، وتدفعهم إلى التفكير في مستقبل نشاطهم، وهو ما نتجت عنه مشكلة أخرى، ألا وهي تضخم ديونهم.
وفي ظل الوضعية الاقتصادية الراهنة وتراجع مردودية النشاط، الذي يغلب عليه صغار الفلاحين، تبدو الحلول المحلية دون جدوى.
أما على صعيد التسويق والبيع فتبرز مشكلة حجم السوق المحلية، ومحدودية الولوج إلى الأسواق الخارجية، كمعضلة حقيقية أمام نمو الإنتاج، فالسوق التونسية محدودة على صعيد الاستهلاك، نظرا إلى عدد السكان والدخل الفردي المتدني.
تتزامن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي مع البرامج المتعددة التي شرعت الحكومة التونسية في إنجازها، وبهذا المعنى قد يمثل الاتفاق محركا لتنمية مستدامة تدعم القدرة التنافسية لتونس، فهو ليس مجرد اتفاقية للتبادل الحر، بل أيضا آلية لتسريع برامج إعادة الهيكلة وتجديد البنية التحتية.
ليست هناك مؤامرة تحاك ضد تونس، الاتفاق سيسهل اندماج تونس في الاقتصاد العالمي. وهذا خيار أصبح اليوم إستراتيجيا لتحقيق النمو الاقتصادي، والخروج من اقتصاد باحة البيت الخلفية.
بعد كل ما قيل، يبقى أن القطاع الفلاحي في تونس يشغل 15 بالمئة من القوة العاملة، وهي، بالنسبة إلى الحكومة والمعارضة، أصوات ناخبين لا يمكن تجاهلها.
كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)