ardanlendeelitkufaruessvtr

ابن جبير وتقرير تشيلكوت

بقلم سلام الشماع تموز/يوليو 29, 2016 219

ابن جبير وتقرير تشيلكوت
سلام الشماع
لفت انتباهي في وصف الرحالة العربي أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني المعروف باسم ابن جبير الأندلسي، للبغداديين في رحلته المعروفة، قوله:
"قد تصوّر كلّ مـنهم في معـتقَده وخلده أنّ الوجود كلّـه يصغر بالإضافة إلى بلده، فهم لا يسـتـكرمون في معـمور البسيطة مثوى غير مثـواهم، كأنّهم لا يعتقدون أنّ لله بلاداً أو عباداً سواهم".
وقوله هذا يدل على تمسك أهل بغداد، بل أهل العراق كله بأرضهم وعزوفهم عن مفارقتها وأنهم لا يستكرمون بلداً في المعمورة إلا بلدهم ويعدون أن بلدان المعمورة كلها دون بلدهم، ولكننا لو أسقطنا قوله على بغداديي زماننا هذا وعراقييه لما انطبق قوله عليهم وهو ما ينبيك عن حجم المأساة والمعاناة والظلم والعسف الذي لقاه هؤلاء بحيث توزعوا على بلدان الشتات التي لم يكونوا يستكرمونها.
أي عذاب واضطهاد لقي العراقيون نتيجة احتلال بلدهم بحيث أنك لا تستغرب إذا وجدت عراقياً حتى في القطب المنجمد الشمالي أو الجنوبي، وفي بلدان لم نكن نسمع باسمها من قبل، وربما اضطروا للإقامة حتى مع قبائل أكلة لحوم البشر، فيما أصبح بلدهم يعيش تحت وطأة احتلالات كثيرة أبشعها وأخطرها الاحتلال الإيراني.
والغريب أن يشرد شعب من أرضه ومن بقي منهم متمسكاً بأرضه يعيش تحت هواجس القتل والاختطاف والتشريد واغتصاب ما يملك وسط صمت عالمي مريب وسكوت حتى من المنظمات الإنسانية الأممية المعنية، بل حتى من شعوب العالم، حتى لكأن شعب العراق لم يتضامن مع شعوب العالم الأخرى في نكباتها ونوازلها وأتراحها، ولم يشاطرها أفراحها، ولم يساعد المحتاجة منها!!!
إن قيامة العالم قامت عندما ظهرت نتائج تقرير تشيلكوت الذي أدان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير واتهمه باختيار حرب غير ضرورية ضد العراق، ولكن ماذا جنى العراق من هذا التقرير؟
إن لجنة تشيلكوت استنتجت، بعد سبع سنوات ومن خلال تحليل مئات الألوف من الوثائق أن بلير لم يقدم إلى البرلمان البريطاني وللرأي العام المعلومات الأمنية المتوفرة حول تهديد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بل قدم المعلومات كما فهمها، وبالغ متعمدا في تقدير التهديد الذي مثله العراق حيث حاول بناء حالة لتبرير دخول بريطانيا في الحرب عام 2002 و2003. وفي تشريح للأدلة قدم تقرير تشيلكوت أدلة على أن رئيس الوزراء العمالي الذي وعد الرئيس الأمريكي جورج بوش قائلا: "سأكون معك مهما كلف الأمر"، لم يلتفت إلى التحذيرات من المخاطر المحتملة للعمل العسكري، واعتمد بصفة مطلقة على ما يعتقده بدلا من الحكم الدقيق للخدمات الأمنية.. فهل سيعيد هذا التقرير ملايين العراقيين المشردين إلى بلدانهم؟ وهل سيعيد الروح إلى ملايين من العراقيين قضوا ظلماً تحت وطأة حرب غير مسوغة باعتراف مخططي احتلال العراق ومنفذيه؟
إن العالم مدعو إلى الوقوف مع العراقيين لاستعادة أمنهم واستقرارهم وتمكينهم من التخلص مما فرضه الاحتلال عليهم وتعويضهم عن جميع خسائرهم وإلا فإن دول العالم كلها ستعاني من انعكاسات الوضع العراقي عليها، وقد رأينا كيف أن تجميع قوى الإرهاب في منطقتنا نتج عنه تخلخل الأوضاع الأمنية في دول كان من المستبعد وغير المعقول أن تحدث فيها حوادث أمنية تصل إلى التفجير والقتل، وإذا كانت هذه الحوادث هي البداية فإن الأيام حبلى بالأقسى والأشد والأكثر وحشية، ولا حل أمام العالم إلا التوجه إلى العراق وتعويضه عما لحقه من خسائر وأضرار وأذى وتدمير وتشريد وإبادة لشعبه، وبغير هذا فإن الفوضى ستواصل انتشارها في طول الأرض وعرضها.
وذلك سر من أسرار العراق.



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)