ardanlendeelitkufaruessvtr

اختلاط الإعلام بالسياسة يصنع ديمقراطية السذج

بقلم محمد شلبي حزيران/يونيو 04, 2019 209

اختلاط الإعلام بالسياسة يصنع ديمقراطية السذج
محمد شلبي
الاكتفاء بمسايرة أجندة السياسيين دون أن تكون للإعلام أجندة يجابههم بها ويستقيها من الرأي العام يجعله في دائرة الإعلام الموجه.
نبيل القروي يجمع بين السياسة والإعلام
سئل رئيس كتلة الائتلاف الوطني في البرلمان التونسي مصطفى بن أحمد، وهو أحد مؤسسي الحزب الجديد تحيا تونس، عن إمكانية تحالف الحزب الجديد مع حزب النهضة في الانتخابات التشريعية القادمة، فقال إن ذلك يكون بالنظر إلى المبادئ التي سيقوم عليها الحزب. كان ذلك في 26 مارس الماضي، خمسة أسابيع قبل انعقاد المؤتمر التأسيسي لتحيا تونس.
كان الجواب غير مقنع بل ساذجا، إذ لا معنى لأن يخوض حزب مؤتمرا تأسيسيا وأحد مؤسسيه يتحدث عن “انتظار المبادئ التي سيقوم عليها الحزب”، تماما كما كانت نهاية الحوار بين مصطفى بن أحمد والصحافيين في البلاتوه عند ذلك الجواب نهاية محزنة.
كان المنطق يقتضي تخصيص حوار كامل لحزب يعقد مؤتمرا بلا “مبادئ يقوم عليها”. لقد دأب السياسيون على التركيز على الهوامش وإهمال الجوهر يتبعهم الإعلام في ذلك.
ففي الحملة التي سبقت انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر 2011 كانت برامج المرشحين، أفرادا وأحزابا، تعج بوعود انتخابية لا صلة لها إطلاقا بذلك الموعد الانتخابي. كانت الوعود تتحدث عن بناء المطارات والطرقات والمستشفيات وكليات الطب ومحاربة الفقر والتقليص من الفوارق بين الجهات وإصلاح التعليم وعما لا يحصى ولا يعد من الوعود التي لا يقبلها منطق.
 لقد كانت حملة لانتخاب مجلس تأسيسي مكلف بصياغة الدستور دون سواه كما نص على ذلك المرسوم 35 المؤرخ في 10 مايو 2011. بث الإعلام ومضات الحملة الانتخابية دون التساؤل عن العلاقة بين صياغة الدستور وبناء الطرقات والمستشفيات مثلا. لقد أخل الإعلام بدوره إخلالا جسيما في الانتخابات التأسيسية.
وموضع الخلل أن الإعلام لم يمارس دوره الرقابي على الحملة الانتخابية ولم تكن هناك مضامين إعلامية تفسر للناخبين ألاّ منطق يربط بين حملة انتخابية تعد بالجنة وبين انتخاب مجلس تأسيسي وظيفته الوحيدة صياغة الدستور. لقد كانت حملة انتخابية توحي بمجلس تشريعي للحكم ولسن القوانين وإعداد الموازنات لا للتأسيس، وهو ما حدث فعلا إذ أصبح المجلس مجلس حكم لا مجلسا تأسيسيا.
والخشية اليوم أن يتكرر في الانتخابات القادمة ما جرى في انتخابات المجلس التأسيسي، وإن بأشكال أخرى بسبب تفريط الإعلام في دوره في الانتخابات. وقد بدأت بوادر الخشية تطفو على السطح بتركيز الإعلام على الانتخابات الرئاسية التي تبقى رهاناتها ثانوية بالنظر إلى رهانات الانتخابات التشريعية.
لقد أخذت حمى الانتخابات الرئاسية تتصاعد بنشر عدد من استطلاعات الرأي أظهرت أشخاصا غير منتظرين في المواقع الأولى من نوايا التصويت مثل قيس سعيد أو نبيل القروي صاحب قناة نسمة، واشتدت الحمى بالسياسيين وبالإعلام وبالشبكات الاجتماعية حين أعلن نبيل القروي رسميا قبل أسبوع عن ترشحه للانتخابات الرئاسية.
إن في تسليط الضوء على الانتخابات الرئاسية وفي إبقاء التشريعية في منطقة الظل في هذه المرحلة تحويلا لنظر الناخبين عن مسؤولية البرلمان في إدارة شؤون البلاد وتخفيفا من مسؤولية الأحزاب في ما آلت إليه أوضاع البلاد من تردّ لم يعرف التونسيون له مثيلا في عهد دولة الاستقلال. وكما أخفق الإعلام في نقد رهانات حملة 2011 التي كانت مغالطة للناخبين فإنه أخفق في حملة انتخابات 2014 بأنه لم يثر مسألة النظام السياسي الذي سطره نواب المجلس التأسيسي الذين ترشح عدد كبير منهم لبرلمان 2014. لقد لازم الإعلام مكانه ناقلا للحملة دون التعرض بالتفسير والنقد إلى النظام السياسي الذي أقره دستور 2014 وسوقه السياسيون على أنه نظام برلماني وهو نظام مجلسي بل نظام أحزاب في الواقع.
والأمثلة كثيرة تُلخص في غياب الدور الرقابي للإعلام على الفاعلين السياسيين. فالاكتفاء بمسايرة أجندة السياسيين دون أن تكون للإعلام أجندة يجابههم بها ويستقيها من انتظارات الرأي العام يجعله في دائرة الإعلام الموجه. ولا يعني ذلك إطلاقا أن يكون الإعلام خصم السياسيين بل أن يكون صوت الناخبين أي المواطنين.
ولا يكون الإعلام مستقلا برفض الخضوع للتوجيه السياسي أو رفض إملاء السوق فقط بل بأن يكون خاضعا للمواطنين لا يراعي غيرهم والقانون والأخلاقيات في ما ينشر. وتقتضي مراعاة مصالح المواطنين أن يحل الإعلام محلهم بين دورتين انتخابيتين يراقب السياسيين ويسائلهم حتى يعود المواطنون إلى الخلوة من جديد.
وهنا يكمن المستوى الأهم في الديمقراطية بعد المستوى الإجرائي المتمثل في الاقتراع. والمستوى الأهم هو أن “يقترع” الإعلام مئات المرات على امتداد الفترة النيابية، بدل المواطنين، ليسائل السياسيين باسم الناخبين فهو يعيّر سياستهم ويراقب تنفيذ وعودهم ويفزع عند الإخلال بها ويستصرخ الناخبين عند التجاوزات. ذلك هو صميم دور الإعلام في الحياة الديمقراطية.
ولم يفعل الإعلام ذلك. وتعيش تونس اليوم أزمة سياسية وأخلاقية لأن الإعلام لم يسائل ولم يعير ولم يراقب ولم يفزع ولم يستصرخ. لم يفعل شيئا من ذلك عندما كان نبيل القروي المرشح المثير للجدل يستخدم قناته التلفزيونية لحملته الرئاسية بالمتاجرة بجوع الناس رغم أن التجاوز كان واضحا قانونا وأخلاقا. صمت السياسيون عن ذلك فصمت الإعلام.
وبسبب ذلك كله يخوض البرلمان التونسي اليوم حملة لتغيير قانون الانتخاب لمنع نبيل القروي من الترشح بتهمة أنه وظف قناته لأغراض سياسية شخصية فوجد البرلمان نفسه محل من يغير قواعد لعبة ما أثناء المنافسة. فبصمت الإعلام والسياسيين تجاوز نبيل القروي القانون وبعودة السياسيين إلى ملف القروي في البرلمان عاد الإعلام للحديث عن الأمر عندما حصل المحظور.
فلا البرلمان ساءل الحكومة على التجاوز ولا الحكومة بادرت إلى وقفه ولا الهيئة التعديلية طبقت القانون في الإبان ولا الإعلام أثار المشكلة التي كان واضحا أنها ستعجز الجميع يوما ما. تواطؤ أم صمت مريب يقودان إلى ما يسمى ديمقراطية السذج.
باحث تونسي في الإعلام

قيم الموضوع
(0 أصوات)