ardanlendeelitkufaruessvtr

جواب مختلف

بقلم علي الصراف حزيران/يونيو 07, 2019 148

جواب مختلف
علي الصراف
المسلمون والمهاجرون ليسوا سوى تعلة. إنهم ليسوا سببا لارتفاع ظاهرة اليمين. صورة المرأة مفتوحة الرجلين هي السبب. إنها أوروبا الجديدة التي أطفأت النور، ودفنت ديكارت وروسو ولوك...
تدفق موجات اللاجئين على أوروبا أحدثت نوعا من الصدمة
هل اللاجئون والعداء للإسلام هما السبب في صعود اليمين المتطرف في أوروبا؟ الجواب بنعم يبدو واضحا. ولكن من يجرؤ على جواب مختلف؟
صحيح أن موجات اللاجئين التي ظلت تتدفق على أوروبا خلال الأعوام الأربعة الماضية قد أحدثت نوعا من الصدمة، إذ تجاوزت أعدادها الملايين، فالحقيقة هي أن “القارة العجوز” كانت هي التي تطلبهم.
المسألة لم تكن في الحقيقة مسألة عدد. الأعداد كانت مطلوبة بالأحرى. وهذا ما أعربت عنه أنجيلا ميركل بوضوح شديد حتى عندما زاد عدد الواصلين إلى ألمانيا عن مليون لاجئ.
هناك المئات من البلدات في ألمانيا تفرغ من سكانها. بل إن بعضها يعرض ميزات لا توفرها البلدات الأخرى لقبول اللاجئين. كان عدد سكان بلدة غوسلار في ولاية سكسونيا السفلى،على سبيل المثال، يبلغ 50 ألفا في العام 2005، ولكن عدد السكان انخفض إلى 4 آلاف بعد عشر سنوات. رئيس البلدية أوليفر جونك كان يستصرخ برلين من أجل نقل المهاجرين إلى بلدته، ويعرض عليهم منازل مجانية ومعونات. غوسلار كانت تموت. وألمانيا كلها كانت ترى شيخوختها تزيد لترى نفسها في مرآة غوسلار.
    لعدة عقود مضت، أخلتْ أوروبا الفكر والفلسفة والتنوير مكانها لأوروبا الجنس وأفلام الإثارة والعنف. واليمين المتطرف هو ثمرتها الطبيعية
عدد سكان ألمانيا الذي بلغ 82 مليون نسمة عام 2017، مرشح للتراجع بنسبة 0.15 بالمئة سنويا. وبينما يزيد معدل الوفيات عن الولادات بنحو 100 ألف كل عام، فإن هناك 850 ألفا يتقاعدون عن العمل. وهو ما يعني أن سوق العمل تفقد الآن وفي المستقبل نحو مليون دافع ضرائب سنويا.
في عام 1950، كان 12 بالمئة فقط من سكان أوروبا في سن الخامسة والستين، بينما يُتوقع أن تصبح النسبة في عام 2050 أكثر من 36 بالمئة، وهذا يعني أن أوروبا كلها تشيخ، ولكنه يعني شيئا آخر مهما أيضا، هو أن شيخوخة السكان لا تضغط على صناديق التقاعد فحسب، تلك التي تحتاج تمويلا متواصلا لأجيال جديدة من العمال، ولكنها تضغط على تكاليف الرعاية الصحية أيضا.هل هناك شيء أخطر من هذا على أي اقتصاد صناعي متقدم؟ إنه عامل انكماش اقتصادي مروّع يوازي الانحدار إلى هاوية بلا قرار.
ولو شئتَ المقارنة، فإن كل ما كان يثير حفيظة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مساهمات الدول الأوروبية في ميزانياتها الدفاعية هو أنها لا تصل إلى 2 بالمئة من الناتج الإجمالي، في حين أن تكاليف الرعاية الصحية بمفردها تستهلك ضعف هذا الرقم في ألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية. ومن المتوقع أن ترتفع التكلفة إلى نحو 6 بالمئة من الناتج الإجمالي بحلول منتصف القرن الجاري.
ميركل التي نظرت إلى “أزمة الهجرة” من زاوية حسابية، كانت ترى أنه بينما ترتفع أعداد المتقاعدين، فإن الاقتصاد يكاد يمتص كل قدراته من الأيدي العاملة حتى انخفضت نسبة البطالة إلى أقل من 2.7 بالمئة. فقالت إن بلادها تحتاج إلى 1.5 مليون من الأيدي العاملة الجديدة للمحافظة على وتيرة التشغيل القائمة اليوم في مصانعها.
الألمان يفهمون ذلك جيدا. ففي استطلاع للرأي أجري في سبتمبر 2018 قال غالبية الألمان إنهم يؤيدون منح حتى المهاجرين الذين رفضت السلطات طلبات لجوئهم فرصة للدراسة أو العمل في ألمانيا.
“أنا لا أشعر بالندم” على فتح الأراضي الألمانية أمام المهاجرين، قالت ميركل في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” أجريت أواخر أغسطس 2017. وكانت تعرف لماذا. المسألة لم تكن بالنسبة لها مسألة مشاعر إنسانية. بل مسألة حساب اقتصادي خشن.
العداء للإسلام في أوروبا المسيحية قديم قدم الإسلام نفسه. والعنصرية التي يعانيها المسلمون ظاهرة قائمة قبل الإرهاب وبعده. ولئن تعلو الشكوى من تلكؤ المسلمين بالاندماج في مجتمعاتهم الأوروبية، فهذه ظاهرة جزئية إلى حد بعيد، وهي تكاد لا تشمل إلا جانبا طفيفا من الـ25 مليون مسلم الذين يعيشون ويعملون في أوروبا. وأعدادهم لا تتجاوز 5 بالمئة من مجموع السكان على أي حال.
بعض الأوروبيين يعادي حتى المسيحية الشرقية أيضا، دع عنك الإسلام. والتمايزات الثقافية هي ما يثير الضيق لدى هؤلاء، وليس لأن المسلمين يمثلون تهديدا. إذن، ما الذي يجعل اليمين المتطرف يرتفع على أنغام الضجيج المتعلق بالهجرة والإسلام؟
    رئيس البلدية أوليفر جونك كان يستصرخ برلين من أجل نقل المهاجرين إلى بلدته، ويعرض عليهم منازل مجانية ومعونات. غوسلار كانت تموت. وألمانيا كلها كانت ترى شيخوختها تزيد لترى نفسها في مرآة غوسلار
إنه العزف على أوتار الغرائز. والشعبوية إنما تستمد قوتها من الغرائز. وهذه ظاهرة اجتماعية، أكثر منها ظاهرة سياسية. ففي مجتمعات تنحدر إلى رأسمالية شرسة ومغلقة، وشيخوخة ثقافية متزايدة، ولهاث متواصل في البحث عن الجديد، فإن الغرائز هي ما بقي.
في إحدى الصور ذات الدلالة، ظهرت في ألمانيا صورة ضخمة لامرأة عارية تفتح رجليها، وفي الوسط، يظهر العلم الأوروبي ولوحة تقول “انتخب هنا”. الصورة تحولت إلى “مركز انتخابي” مذهل المعاني.
لعدة عقود مضت، أخلتْ أوروبا الفكر والفلسفة والتنوير مكانها لأوروبا الجنس وأفلام الإثارة والعنف. واليمين المتطرف هو ثمرتها الطبيعية. وهذا ما لا علاقة له بالإسلام ولا بالمهاجرين. وأود لو أكرر هذا المعنى: عندما ترتفع ثقافة الغرائز، ترتفع معها سياسات الغرائز.
هذه البيئة هي التي صنعت صعاليك من قبيل ماتيو سالفيني ومارين لوبان ونايجل فراج وخيرت فيلدرز. إنها بيئة يتحول فيها فلاسفة من قبيل سلافوي جيجك وألسدير ماكنتاير وبيار ليفي وبيير بورديو إلى غرباء تماما في مجتمعاتهم.
المسلمون والمهاجرون ليسوا سوى تعلة. إنهم ليسوا سببا لارتفاع ظاهرة اليمين. صورة المرأة مفتوحة الرجلين هي السبب. إنها أوروبا الجديدة، التي أطفأت النور، ودفنت ديكارت وروسو ولوك ونيتشة وسارتر وماركس، وكل من أضاؤوا المصابيح.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)