ardanlendeelitkufaruessvtr

أميركا محكومة بالتصعيد تجاه الصين

بقلم سلام السعدي حزيران/يونيو 08, 2019 138

أميركا محكومة بالتصعيد تجاه الصين
سلام السعدي
الحزب الديمقراطي لا يبدو مستاءً من الحرب المستعرة وآثارها، إذ يعلم قادته أن الصدام مع المارد الصيني هو أمر حتمي.
صراع لا مفر منه
منذ أربعة عقود، ألقت الصين عن كاهلها أعباء إرث زعيمها التاريخي ماو تسي تونغ، وتبنت سياسة الانفتاح الاقتصادي. وطيلة تلك الفترة، تنازعت الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، مشاعر الرضا عن اندماج الصين بالاقتصاد العالمي من جهة، ومشاعر الحذر والتوجس من “المعجزة الاقتصادية” التي تحققت بفعل النهج الجديد والتي قادت بكين لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
هكذا، لم يكن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، هو الأول بين الرؤساء الأميركيين في حديثه عن الآثار السلبية على اقتصاد بلاده جراء الشراكة التجارية مع الصين. طالما تحدث المرشحون للانتخابات الرئاسية الأميركية، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على السواء، عن “سرقة الوظائف” وعن هروب العمليات الإنتاجية من أرض “الحلم الأميركي” نحو بلاد اليد العاملة الرخيصة وفي مقدمتها الصين، ولكن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين كانت كبيرة جدا إلى درجة دفعت، دوما، إلى تأجيل انفجار الصراع. هكذا، تناسى الرؤساء الأميركيون المتعاقبون وعودهم الانتخابية باتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه المارد الصيني.
هذا بالضبط هو ما ميّز دونالد ترامب عن نظرائه السابقين، إذ أطلق الحرب التجارية مع الصين منذ نحو عام ولم يتوانَ عن صب الزيت على نيرانها حيث تطلب الأمر. حدث ذلك مؤخرا مع انهيار المفاوضات التجارية بين الجانبين واتخاذ كل طرف خطوات تصعيدية في ما يشبه لعبة عض الأصابع. يتشابه التصعيد في الحرب التجارية مع التصعيد في الحروب العسكرية، إذ يأتي بعد وصول المفاوضات لطريق مسدود، وهو ما يدفع باللاعبين نحو حلبة الصراع. في سياق الحرب التجارية، يوجه المتحاربون ضربات اقتصادية محدودة ويراقبون نزيف الخصم بحذر شديد، منتظرين إشارة ضعف للعودة إلى التفاوض. وجه الرئيس الأميركي لكمته أولا بزيادة التعرفة الجمركية، وردت الصين بفرض رسوم على السلع الأميركية.
وفضلا عن الأضرار المباشرة التي تُلحقها الصين باقتصاد الولايات المتحدة، يبدو الخطر الأكبر هو تهديد الموقع المهيمن لواشنطن على الاقتصاد العالمي. إذ تشير التقارير إلى أن الصين تتجه لتصبح القوة الاقتصادية الأكبر في غضون عقد من الزمن. لم تشكل تلك الحقيقة، التي اتضحت منذ زمن، أمرا طارئا لدى الرؤساء الأميركيين المتعاقبين بسبب الفجوة الهائلة بين البلدين على المستوى العسكري. إذ تبلغ ميزانية الدفاع الأميركي ضعفي نظيرتها الصينية. كما تتفوق أميركا على مستوى سلاحي الطيران والبحرية نوعا وكما وبصورة كبيرة. وفي حين تمتلك الصين نحو 250 رأسا نوويا، تمتلك أميركا أكثر من سبعة آلاف رأس.
ولكن التاريخ يعلمنا أن كل قوة اقتصادية مهيمنة سوف تتحول، عاجلا أم آجلا، إلى قوة عسكرية عظمى. بكلمات أخرى لا يمكن لقوة عسكرية عظمى أن تواصل سطوتها في حال خسرت موقعها الاقتصادي المهيمن. حدث ذلك مع الإمبراطورية البريطانية، التي كانت لا تغيب عنها الشمس، قبل أن تفقد تفوقها الاقتصادي لصالح الولايات المتحدة ومعه فقدت تفوقها العسكري. ويبدو أن عجلة التاريخ مستمرة بالدوران وأن الولايات المتحدة على وشك أن تواجه مصير الإمبراطورية البريطانية البائدة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، كانت أولى خطواتها هي المواجهة مع الصين.
من هذا المنطلق، يكتسب كبح جماح التمدد الصيني أهمية قصوى لكلا الحزبين الأميركيين، وهو ما يفسر اندفاع الرئيس الأميركي الحالي لمواصلة الحرب التجارية رغم ما خلفته من معاناة اقتصادية لشرائح واسعة من الأميركيين. فبحسب تقرير لوزارة التجارة الأميركية، انخفض إنفاق المستهلكين والشركات الأميركية وهو ما يشير إلى ضعف القوة الشرائية. كما ألقت الرسوم الجمركية بثقلها على المنتجين والمزارعين الذين يشكلون القاعدة الشعبية للرئيس الأميركي.
سيحاول ترامب تخفيف تلك الأضرار الاقتصادية عبر زيادة الإعانات الحكومية للمزارعين وللعمال الذين فقدوا وظائفهم. كما سيتعين على الرئيس الأميركي، في حال قرر المضي قدما في حربه التجارية، الكشف عن أسلحة جديدة في ترسانته، وعدم حصرها بسلاح التعرفة الجمركية. وهو ما بدأ بالحدوث من خلال إضافة شركة “هواوي” الصينية العملاقة إلى قائمة الشركات المحظور على الحكومة والشركات الأميركية التعامل معها باعتبارها تشكل خطرا على الأمن القومي.
وأخيرا، يستخدم الرئيس الأميركي سلاح التحشيد الجماهيري الذي يصور الحرب التجارية على أنها حرب وطنية تتصل بالمصالح العليا للولايات المتحدة. ويبدو أنه قد نجح حتى الآن في القيام بذلك إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية المزارعين الأميركيين، ورغم كونهم المتضرر الأكبر من الصراع التجاري، يواصلون دعم الرئيس الأميركي.
الحزب الديمقراطي، من جهته، لا يبدو مستاءً من الحرب المستعرة وآثارها، إذ يعلم قادته أن الصدام مع المارد الصيني هو أمر حتمي. كما يعلمون بأنهم محكومون بمواصلة العمل على الإرث التصادمي الذي سيتركه الرئيس الحالي دونالد ترامب، في حال وصلوا للبيت الأبيض بعد عام.
كاتب فلسطيني سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)