ardanlendeelitkufaruessvtr

نقصان الثقافة الرقمية

بقلم وارد بدر السالم حزيران/يونيو 13, 2019 90

نقصان الثقافة الرقمية
وارد بدر السالم
المكتبات الافتراضية التي تجتمع كلها في أيقونة بحجم البصمة وفّرت المال والجهد والوقت والاطّلاع الوافر.
الفضاء الرقمي خلق قراء جددا
 خلال وقت قصير أخذت التكنولوجيا الرقمية مداها في التوسع والاستخدام الأمثل في مختلف مستويات الحياة الاقتصادية والعلمية والإعلامية، ولا تزال تحصد نتائجها الإيجابية عندما أثبتت بأنها من أحدث الثورات الحياتية التي جاء بها تعاضد الإلكترونيات المبتكرَة.
 وتحققت عمليا في مضامين الحياة اليومية الكثير من الفوائد الملموسة على المستوى الفردي، والجماعة على المستوى اليومي والحكومي والمؤسساتي، وهذا ما يدعو إلى التبصر في الشأن الثقافي الذي اخترقته التكنولوجيا الرقمية ووطدت صلتها به في المجتمع المعلوماتي فائق الانتشار والمتجدد في كل يوم. وهو اختراق طبيعي للمنظومة الثقافية الواسعة في العالم؛ فالحياة الرقمية تأخذ مدياتها الأشمل، والثقافي منها في صلب التجدد.
تحولات العقدين الماضيين في التعاطي الثقافي، منذ إطلاق شبكة الإنترنت عام 1993، ارتهنت بما قدمته من مزايا وخصال جديدة ساعدت في إيجاد المعلومة وتوثيقها من حيث المبدأ الأول، وانتقال الكتابة من القلم إلى أزرار الكمبيوتر وما يتبعه من التصحيح الآلي في ردم ثغرات الأخطاء بلا مماح وأحبار معتادة، ومن ثم المزايا المجانية في تحميل الكتب القديمة والجديدة لأغراض توفيرها بحرية مطلقة، لاسيما النادر منها فراكمت الكثير من المكتبات الافتراضية لدى الفرد الواحد، واكتظت بالموسوعات العلمية والثقافية والسرديات الكبرى والكتب الثمينة في تاريخيتها وعلميتها، وألبومات السمفونيات المعتبرة وأفلام الماضي والحاضر، وساد الرقمي على الواقعي بطريقة لافتة بافتراضية معقولة حققت منطقها العملي على نحو يدعو إلى الإعجاب والانتظار بما سيأتي بوصفها (الثورة الثالثة) بما يشكل صدمة إيجابية تستقدم المستقبل على نحو وصفي وعملي أيضا.
الثقافة الرقمية بتفريعاتها الكثيرة غيّرت الكثير من صفحات المشهد الثقافي والإعلامي بحساسية واقع التطور في العصر الحديث وإيجابياته الكثيرة وسلبياته أيضا تلك التي شخّصها خبراء العلوم النفسية والاجتماعية، ويمكن لنا أن نؤشر، بالممارسة، مثل هذا التغيير وهذه التحولات السريعة التي طرأت على الحياة الثقافية العامة، فالقارئات، أو ما يسمى بالكتاب الإلكتروني المجاني بسعره الرمزي مثلا نافس وينافس الكتاب الورقي، والمكتبات الافتراضية التي تجتمع كلها في أيقونة بحجم البصمة وفّرت المال والجهد والوقت والاطّلاع الوافر، ودور النشر استثمرت شيوع مواقع التوزيع الإلكتروني (أمازون والنيل والفرات مثلا) وأصبحت المعرفة متاحة في السينما والفن التشكيلي وأشكال الفنون البصرية والسمعية عبر الكمبيوتر والألواح الرقمية واليوتيوب والقارئات والمدونات وصفحات الفيسبوك وقراءة الشاشة بدلا من الورق، وما إلى ذلك من مرجعيات فورية تختصر الزمن وتنفتح على العلوم والآداب والفنون بشكل سهل وسريع، مما يعني مضاعفة المعارف والمعلومات والمدارك.
    الثقافة الرقمية غيرت من صفحات المشهد الثقافي والإعلامي بحساسية واقع التطور في العصر الحديث بإيجابياته وسلبياته
وكل هذا الطيف الإلكتروني هو من نتاج هذه الثورة ومشتقاتها العظيمة التي أوجدت سبل اتصال ليست معقدة تماما، لكن ومع هذا التراكم الإلكتروني وشيوع الثقافة الرقمية وانفتاح نوافذ جديدة للتعاطي الثقافي لا بد من ملاحظات عميقة تستتبع هذا الشكل من التعاطي تحت طائلة أسئلة ليست سهلة في الأحوال كلها، ومن جملتها: هل يتغير مزاج القراءة الرقمية فينا؟ يتبعه تساؤل آخر: هل يمكن للكتابة الرقمية أن تحل محل نمط الكتابة القديم؟
إذا كانت الكتابة الرقمية تجريبية حتى اليوم، ولم يثبت أنها نجحت في السرديات الطويلة، فإن القراءة فيها أخذت مداها وصداها بالخروج عن نمطية القراءة التي نعرفها منذ آلاف السنين، وهذا أحد مفاتيح الأسئلة التي ترى في الثقافة الرقمية عيوبا وثغرات؛ فالقراءة في هذا العالم قراءة جماعية وليست فردانية؛ بمعنى إمكانية أن تتشابه الثقافات العامة من مصادر يقع الجميع عليها في لحظة واحدة، لذا تختفي الفردانية القديمة التي كانت تستخلص من الكتب الورقية ثقافتها وترصّن وعيها منها، فالكتاب لم يكن بمتناول الجميع، لكن الإلكتروني في متناول الجميع في الوقت والزمن ذاته، وحتى المكتبات الافتراضية التي تحتوي على الآلاف من الكتب هي نوع من التسكين النفسي ومن دون ذاكرة.
بلا إمكانية تفاعل حقيقي كما يحدث في القراءة الفردية القديمة، فالقراءة البصرية تفتقر إلى التركيز كما نحسب، وفي العادة تكون مشتّتَة للأذهان كما يبدو، وهذا يحيلنا إلى البحث عن المعلومة التي لا توفرها كبسة زر، بل توفرها مصادر القراءة المتعددة التي تضفي بدورها ثقافة متعاضدة وباثّة إلى المعلومة وما يجاورها من معلومات أخرى. وبالتالي فإنّ كبسة الزر، أي قراءة الشاشة، ستبقى قاصرة عن تفعيل العنصر العقلي الجامع وإبقائه مرتهنا إلى لحظة القراءة من دون الاستيعاب الكامل للمصدر أو المعلومة التي قد لا تتوفر في كتاب إلكتروني أو كتابين أو ثلاثة، فالكم لا يعني النوع بأي حال من الأحوال. وهذه القراءات الشاشوية عادة ما تكون وليدة لحظتها بسبب الكم الكبير من الكتب.. روايات وسِيَر وأشعار وتحقيقات تاريخية وملاحم ومصدريات.. وغيرها.
الثقافة الرقمية الشائعة في عصر العولمة ليس بالضرورة أن تكون متكاملة. إنها معرفة إلكترونية قبل كل شيء بأدوات متعددة، ومحاولة في تأسيس نمط وسيط غير تقليدي مع المستقبل، وليست ثقافة بحد ذاتها، فالثقافة تسبقها كوعي جمالي، لكنّ ثمة ظروفا تحول من دون أن تكون هي النهائية في الثقافة الإنسانية بوجود أجيال قديمة وجديدة تتناقض في التعاطي والتفاعل الوظيفي معه، فتكنولوجيا الثقافة؛ أي أدواتها؛ ليست من السهولة أن تخل بنمطية القديم الذي تدرجنا على استيعابه والتماهي معه، والتفاعل الرقمي في تكنولوجيا الإلكترونيات يحتاج ترسيخه إلى أجيال جديدة فاعلة ومتفاعلة وناقدة أيضا، لتنتظم في سلوكها المعرفي بمراعاة القدرات النفسية والعقلية في التصفح اليومي متعدد الأوجه والمعارف والمعطيات. وقبل هذا وذاك هو التهيؤ العقلي الذي يبرمج المعلومات المفيدة ويعيد إنتاجها من جديد وهذا ما لم تستطع الإلكترونيات أن تفعله..!
روائي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)