ardanlendeelitkufaruessvtr

حرائق الذهب

بقلم إبراهيم الجبين حزيران/يونيو 14, 2019 121

حرائق الذهب
إبراهيم الجبين
عدو القمح هو ذاته عدو الحرية وعدو الفلاحين والعدو لون القمح الذهبي الذي يشرق في قلوب الناس، لا فرق إن تغير اسمه وصار إيرانيا أو عربيا شيعيا أو سنيا لم يعد هذا يهم.
الأدعية والتوسلات لن تمحو آثار النار التي تأكل القمح في سقف العالم العربي
لن يدرك حجم الكارثة الجديدة التي تقع الآن في العراق والجزيرة السورية والتي تجسدها جبال من النار تتوهج فوق حقول القمح، من لم يصغ يوما إلى سكينة تلك الحقول، تشقها نداءات الزرازير ونقلات طيور القطا تحت السنابل وتسبح في فضائها رائحة القش الساحرة.
عدو القمح هو ذاته عدو الحرية وعدو الفلاحين والعدو لون القمح الذهبي الذي يشرق في قلوب الناس، لا فرق إن تغير اسمه وصار إيرانيا أو عربيا شيعيا أو سنيا لم يعد هذا يهم. فهؤلاء الفلاحون الذين تتفطر أكبادهم على نفطهم الذي لا ينضب يدركون بحكمتهم الفطرية أن هذا الموسم إن احترق هكذا، فهناك المواسم القادمة أيضا.
وقد درس كثيرون حياة هؤلاء، لكن من ذهب بنفسه وبحث في عقلياتهم وأرواحهم التي تموج مع الحقول، كان كبير مستشرقي القرن العشرين الفرنسي لويس ماسينيون. رحلات ماسينيون كانت رحلات علمية وسياسية، بدأت مع العام 1918 واستمرت حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي إحداها خلال شهر أكتوبر من عام 1920 عقد أعضاء المجمع العلمي في دمشق جلسة ترأسها الأديب محمد كردعلي رئيس المجمع وانتخب أعضاء المجمع ماسينيون عضوا فيها. الأمر ذاته كان في علاقته مع الأب أنستاس الكرملي في العراق. نقّب ماسينيون في كل شيء يخص الناس في الشرق، ولا يهم كثيرا إن كان لعمله طابع استعماري أم لا، لكنه قام به في حين لم يفعل غيره.
قابل الفلاحين في قراهم، والتقى مع الإقطاعيين، وعرف عقائد البسطاء وميولهم، ووصفهم بأنهم “نمط من الفلاحين الدهاة”، بالجدية التي اكتشف فيها بنفسه أهمية صوفي كبير مثل الحلاج، ولاحقا قام بتحقيق ديوانه وأخباره ونشرهما.
وقد قرأت قبل أيام، لأحد أحفاد أولئك الذين قابلهم ماسينيون أثناء رحلاته في الأرياف، الصديق الشاعر والصحافي والناقد السوري عهد فاضل، والذي يكتب مقالاته المميزة على موقع العربية نت، أبياتا شعرية مختارة للمتنبي يمكن أن يحفرها المرء اليوم على جدران الطين الباقية من بيوت الفلاحين وسط هجير لا يرحم. قال أبوالطيب “إنّما أنفُسُ الأنيسِ سِباعٌ/ ‏يتفارسنَ جَهرة واغتيالا/ مَن أطاق التماسَ شيءٍ غِلابا/ واغتصابا، لم يلتمسه سُؤالا”.
لن تمحو الأدعية والتوسلات وشخصية الضحية آثار النار التي تأكل القمح في سقف العالم العربي ما لم يمحها الغلابُ وحده.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)