ardanlendeelitkufaruessvtr

شموع جورج دي لاتور تضيء ليالي الطفولة الشرق أوسطية

بقلم ميموزا العراوي حزيران/يونيو 14, 2019 143

شموع جورج دي لاتور تضيء ليالي الطفولة الشرق أوسطية
ميموزا العراوي
إذا كان دي لاتور يقدّم في لوحاته رسائل أخلاقية، فصور أطفال الشموع هي أيضا تقدّم “دروسا في الحكمة”.
"أطفال الشموع".. أمل متجدد
خلال  الليالي من الحرب اللبنانية الفائتة، كثيرا ما كانت تنقطع الكهرباء لتضيف إلى الأمسيات العادية جوا من الكآبة، كنا نحاول أن نبددها بالجلوس في غرفة واحدة لنتبادل فيها أطراف الحديث ولنمارس بعض الألعاب التي ابتكرها والدي وتلك “الكلاسيكية” التي كان معظم أبناء جيلنا يدمنونها مثل “مونوبولي” و“كلودو”.
وكنا نترقب كثيرا ماذا سيفعل والدي أمام هذا الظلام؟ لنعرف إن كان انقطاع الكهرباء سيدوم قليلا أو أكثر أو طويلا جدا، فاختياره للشمعة يعني أن الظلام سيدوم بضع ساعات، أما قنديل الغاز فيعني أنه سيدوم ساعات عديدة، وحين ينصب مصباح “اللوكس” فيعني ذلك أننا سنبقى كل الليل بلا كهرباء، وغالبا ما كان الوالد يحسن الاختيار، وكنا نجد في ذلك قوة من قوى الوالد الكثيرة.
أما الليالي المأهولة باشتباكات عنيفة بين الأطراف المتقاتلة أو بقصف إسرائيلي بالطيران والتي كان علينا أن ندرس فيها لتحضير واجبات أو امتحانات مدرسية وصولا إلى الامتحانات الجامعية، فتلك كان لها طعم آخر، بطبيعة الحال كانت حينئذ الكهرباء مقطوعة وكنا نقيم جلسات الدراسة على الدرج في الطبقات السفلى من المبنى أو في الملجأ.
وفي تلك الأيام الرديئة من العمر لم يكن التصوير الفوتوغرافي بالأهمية التي هو عليها الآن، لا أملك ولو صورة واحدة توثّق هذه الليالي، ولكنني ما زلت أدّخر أنا وباقي أبناء جيلي في تلافيف الذاكرة العميقة آلاف الصور والذكريات، ذكريات هي بطبيعة الحال متحوّلة، لأنها حية تشيخ وتتجدّد على هوى السنين والتجارب والمعارف التي تراكمت بعدها.
لذلك كلما رأيت صورة فوتوغرافية في الصحف وعلى المواقع الإلكترونية توثّق ليالي الدرس التي “ورثتها” عنا الأجيال العربية الجديدة، لاسيما في سوريا وفلسطين والعراق، أجدني أغوص فيها طويلا بشيء من الغصة والافتتان على حد السواء.
أدعي أنني أمام هذه الصور قادرة على استشفاف المزاج الداخلي/ النفسي لهؤلاء الفتية المتحلّقين حول ضوء شمعة والمنكبّين على القراءة والكتابة وكأنها أفعال صلاة.
    الصور غارقة في عتمة كاسحة، إلاّ من ضوء شمعة تُدخل الحُمرة إلى الصور وتجعل أولاد {الشمعة} الساهرة أشبه بالقديسيين
غالبا ما تكون تلك الصور غارقة في عتمة كاسحة، إلاّ من ضوء شمعة تُدخل الحُمرة إلى الصور وتجعل أولاد “الشمعة” الساهرة، ولاسيما وجوههم وأياديهم، أشبه بظهورات مستها قدسية ما.
وتختلف قيمة هذه الصور من الناحية الفنية، فمنها ما هو عادي ومنها ما يمتلك عناصر كثيرة من لوحات الفنان، لاسيما تلك التي رسمها الفنان الفرنسي جورج دي لاتور بين سنتَيْ 1638 و1642، لوحات اشتهرت بمشاهد مُتنافرة ما بين الظلال والعتمة، ونور الشموع والمصابيح الضئيلة.
ولكن المتوهجة أشد توهج لتشهد على أن الفنان يؤمن بأن النور الحقيقي هو الذي ينبعث من داخل الأفراد ليضيء عالمهم وحاضرهم.
وفي ذلك اختلاف شديد مع الفنان الإيطالي كارافاجيو الذي تأثر به دي لاتور كثيرا، فكارافاجيو يرسم الضوء قادما من خارج الأشخاص لينسدل عليهم.
ربما لأجل ذلك جاء السكون الذي تتميز به لوحات دي لاتور والصور الفوتوغرافية التي تجسد الأولاد الجالسين حول مصادر النور الخارجية مليئة بالسكينة والطمأنينة، فالداخل هو الذي ينير الخارج وليس العكس.
وبينما تظهر القسوة على الوجوه التي رسمها كارافاجيو بسبب أسلوبه في توظيف الضوء في لوحاته، حافظت وجوه دي لاتور على إنسانيتها وعلى النور الذي يشعّ منها وينطلق إلى مصادر الضوء الخارجي ليقيم حوارا باطنيا ومُتفجرا بصمت معها، هم رضوا بنور المصابيح والشموع وهي رضيت بخاصية “الاستمرارية” التي وهبها لها هؤلاء الفتية.
لُقب الفنان بـ“أستاذ الجفون المنسدلة”، لأنه رسم شخصيات لوحاته مُسدلة نظراتها إلى الأسفل غير آبهة بنظرة الفنان إليها، وبالتالي بنظرة مُشاهد اللوحات، كذلك هو الأمر في الصور الفوتوغرافية، لا ينظر إلينا الأولاد ولا إلى المصوّر، فنحن خارج مجالهم النفسي. هم منغمسون، كما كنا نحن في تلك الليالي الهادرة من الحرب منغمسين في إنهاء واجباتنا الدراسية.
وإذا كان دي لاتور يقدّم في لوحاته رسائل أخلاقية، فالعصر كان عصر الحكم والدروس الأخلاقية التي قدمها لافونتين وموليير ولابوريير، فصور أطفال الشموع هي أيضا تقدّم “دروسا في الحكمة”، إنها تعبر عن اجتراح الحياة وانتصار الرجاء على اليأس.
وتتكلم حركة الأيدي في لوحات دي لاتور عن الآفات  كالسرقة والخديعة كما في اللوحات التي تجسد طاولات لعب القمار، فالأيدي الصغيرة في الصور الفوتوغرافية المشغولة بالأقلام والأوراق والكتابة تتكلم عن صناعة “السعادة”، هي تغزل بالأصابع قمصانا خلاصية تنجيها من أوساخ الحرب المحيطة من كل جانب.
وفي نفس السياق يشير دي لاتور في مشاهده إلى هشاشة الوعود وطغيان الاحتيال، بينما تشير الصور الفوتوغرافية إلى عكس ذلك، تشير إلى انتصار الوعود والقدرة على تخطي الأفكار والمشاعر السلبية عبر المثابرة على الدرس المفتوح ضمنا على مستقبل ملحوظ في وسط الظلام.
كنا كما هؤلاء الأولاد وابتساماتهم الضئيلة نشعر بطمأنينة غريبة، وكنا مثلهم ننهمك بالدراسة لأنها وسيلة خلاص سحرية: غدا سنقدم الامتحانات التي ستمتحن معلوماتنا، ولكن أيضا لتمتحن لأية درجة خاضت أنوار الشموع سُبلها عميقا فينا، غدا سنرى الأستاذ، غدا سنلتقي في المدرسة، غدا يوم آخر.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)