ardanlendeelitkufaruessvtr

كيف يمكن إصلاح الإعلام؟

بقلم صلاح سليمان حزيران/يونيو 14, 2019 41

كيف يمكن إصلاح الإعلام؟
صلاح سليمان
أما الإعلام فهو المقصود به إعلام كثير من الفضائيات التي تملأ سماء المنطقة العربية الآن، والتي لاتنتهج المعاير المهنية، وكثير منها يخضع لمصالح معينة تأتي على حساب المهنية وأصول العمل الصحفي.
لا أعرف لماذا اتذكر الآن اعلام فترة الحرب الباردة التي كانت تدوررحاها بين المعسكر الشرقي والغربي آئنذاك وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي السابق.
كان الراديو بديل الفضائيات في ذلك الزمن ، وكان البث الإذاعي هو الطريق الوحيد لمعرفة ما يدور في العالم بشكل مباشر وغير مباشر،  وكانت مادته الإعلامية السياسية   تقدم في إطار لا يخلو من البروباجندا سواء في داخل الدولة أو خارجها،  فكل الدول كانت تحرص في تلك الفترة على الترويج لأيديولوجيتها الحاكمة، حيث كانت تتحكم في العالم القوتين العظميتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق والدول التي كانت تدور في فلكهما!
كان صعبا أن تبحث عن أحداث العالم في نشرات الأخبار المحلية، فكنا نحاول الهروب بالبحث عن محطات أجنبية تبث باللغة العربية،  وبغض النظر عن صوت لندن ومونت كارلو الشهيرتين في ذلك الوقت،  كان من الصعب العثور على إذاعات دولية أخرى غير محطتين يصل صوتهما بوضوح وتبثان على نفس الموجة المتوسطة  وهما  صوت تيرانا من ألبانيا وصوت البحر الأبيض المتوسط من مالطا التي كانت تملكها الحكومة الليبية وكل مهمتها كانت بث خطابات القذافي وقراءة فصول من الكتاب الأخضر دون توقف على مدار الساعة، نفس ما كان يقوم به راديو تيرانا الذي يهتم بإبراز أقوال من خطب أنور خوجه الزعيم الملهم رئيس دولة ألبانيا ، وأحاديثه ونشاطاته،  وتحليل حكمته وتعديد إنجازاته،  ساعات متتالية من البث دون توقف.
كان إعلام تلك الفترة ومثله إعلام أنور خوجه يذكرني بما تبثه تلك الفضائيات الحالية شديدة البؤس، عالية الصياح، خوجه حاكم أفقر الدول الأوربية  خصص محطات بث إذاعي موجهة للعالم بلغات عديدة منها محطة بث باللغة العربية ، كانت مفروضة علي فضاء منطقتنا يوميا دون أن نبحث عنها ، كنا نتعثر فيها ذهابا وإيابا  ونحن نجري بين محطات البث بحثا عن خبر صادق هنا أو هناك، وكنا في أحيان كثيرة عندما لايتوفر لدينا البديل نستسلم إلى الاستماع إلي إذاعات خوجة، التي كان لا هم لها إلا الحديث عن مآثر وانجازات الزعيم الملهم!
لماذا يذكرني إعلام أنور خوجة الذي اندثر ونسيناه بإعلام اليوم ؟ ليس فقط لآن الشبه كبير بين إعلام تلك الفترة وإعلام اليوم ، بل لآن عقلية الذين يستغلون الاعلام في الترويج الكاذب لأنفسهم هي نفسها لم تتغير رغم تباعد الفترات الزمنية بين حقبة وحقبة، وبين جيل وجيل، فأنور خوجة كان زعيما لأفقر دولة أوربية،  لكنه كان يضحك على نفسه وعلى شعبة  بالإعلام الذي يغطي على كل الأزمات بالكذب والتغني بإنجازات الزعيم وفتوحاته السياسية  التي لم يكن لها أي  أثر على أرض الواقع.
في عالمنا اليوم يمكن أن نستثني بعض القنوات المهنية القليلة،لكن اغلب القنوات هي قنوات أنور خوجه التي لا تتحري دقة خبر،ولا تناقش موضوعا هاما، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى برامج للطبخ والعك،  وما يثيرك  أن تشاهد على سبيل المثال  مذيعيين تخلوا تماما عن الرصانة والاتزان الذي يتطلبه العمل الصحفي وينهمكون في مشاهد هزلية متدنية تجعلهم عرضة للنقد الساخر على مواقع التواصل الاجتماعي .
لكن لماذا أنور خوجة بالذات هو الذي يذكرني ببؤس هذه المرحلة؟، نعود بالذاكرة إلى إعلام  نهاية  السبعينات وأوائل الثمانينات حيث يتذكر جيل تلك المرحلة خاصة في مصر أن الوسائل المتاحة لمتابعة الأخبار كانت قليلة جدا ، فقط جريدة الأهرام والراديو كانتا الوسيلتين الأكثر سهولة في الحصول على المعلومة في وقت لم  يكن  فيه للتليفزيون دور كبير لاقتصاره على محطتين فقط هما الأولى والثانية ، ولم يكن أحد يحلم بذلك التطور التكنولوجي الرهيب في عالم انتشرت فيه الفضائيات والنت بشكل غير متوقع.
كان من الصعب الفكاك من هذه الإذاعات  العقيمة التي تبث الدعاية الممجوجة لزعماء لا أهمية لهم من ناحية  الحجم ، في وقتكانوا يصرون علي وضع أنفسهم فيه، وكنت دائم التساؤل  كيف ولماذا يصل صوت ألبانيا إلينا ؟ ولماذا بهذه القوة في البث؟، رغم  أنه لا يحمل أي محتوى  معلوماتي مهم!! ..إنها رغبة كل ديكتاتور أن يسمع العالم ما يريده هو، وأن لا يرى الناس إلا ما يراه هو، فالزعيم خوجه الملهم لم يكن  إلا رئيسا لأحد أفقر الدول الأوربية، لكن جنون العظمة صور له أنه منافس للقوى العظمي في العالم كأمريكا والاتحاد السوفيتي، ولم يتغير الحال هكذا طيلة فترة حكمه وحتي وفاته،  كما بالضبط كان  القذافي الذي اعتبر نفسه صاحب النظرية الثالثة، وكانت محطات البث تستضيف آلالف الخبراء من كل أنحاء العالم لشرح نظرياته العالمية .
مات خوجة ومات القذافي، لكن مدرستهما الإعلامية في الطبل للحاكم لم تمت، وهي الآن في أوج شبابها ليس فقط بسبب المادة الإعلامية العقيمة، بل كذلك بسبب تدني مستوى القائمين علىالعمل فيها، واستهتارهم بعقول الناس .
ساعات من البث الفارغ عن إنجارات وهمية وأفكار هلامية  وتحويل هامسات الحاكم وسكناته إلى حكم  ومقطوعات أدبية وسياسية تدرس في المدارس ويعلمونها للنشأ الصغير، فالمهم أن يكون الزعيم حاضر  وساكن في عقول الناس !.
أنور خوجة الحقيقي وكل خوجة لا هم له إلا إسكات الصوت المعارض، والتنكيل بالخصوم ، بل إن خوجة الحقيقي كان شيوعيا، فنكل  بالمعارضة الدينية، وهدم المساجد واغلق حدود البلاد وعزلها عن محيطها الدولي ، وشرد كل صاحب رأى مخالف  واطلق جهازه الأمني  يتمدد ويتوسع ويسيطر على كل مفاصل الدولة، وباتت سمعته الأوربية سيئة، ووصل ضحاياه إلى مئة ألف شخص في دولة تعداد سكانها آنذاك كان قليلا.
لكم مالم يتعلمه الطغاة أن الطاغية سيأتي يوما ويرحل كما رحل خوجة بعد أربعين سنة قضاها في الحكم وترك بلدا فقيرا مازال يكافح للنهوض من عثراته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
 للأسف لا تقرأ ديكتاتوريات العصر الحديث سير حكام الماضي،ولا يهتم إعلامهم المضلل المغيب بحركة التاريخ، فيتواصل حكم وإعلام خوجة بانتظار لحظة الخلاص.
 ايلاف

قيم الموضوع
(0 أصوات)