ardanlendeelitkufaruessvtr

الدراما العربية و قلب المفاهيم

بقلم الاعلامية ندى الكيلاني حزيران/يونيو 17, 2019 101

الاعلامية ندى الكيلاني

بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة عند متابعة الأعمال الدرامية التي تعرض خلال شهر رمضان طرح لمشكلة الخيانة في العلاقة الزوجية بشكل كبير سواء كانت من قبل الرجل أو من قبل المرأة.
موضوع الخيانة لاشك انه موضوع يمكن تناوله في الدراما و تسليط الضوء عليه مثله مثل أي مشكلة اجتماعية أخرى يعاني منها المجتمع و يتعرض لها الكثيرين .
لكن المشكلة لم تكن في عرض هذا الموضوع أو تناوله أو انتشاره بشكل ملحوظ بين غالبية الأعمال إنما المشكلة كانت في قلب المفاهيم و اظهار الحق باطلا و الباطل حقا و ذلك من خلال جعل هذا الفعل من خلال أحداث العمل و كأنه قصة حب و ليس قصة خيانة حتى ان تفاعل المشاهدين مع هذه الأعمال قد تغير فقد أصبحوا يتعاطفون مع الشخص الخائن بدلا من لومه و نقده و النفور منه .
إنما نجدهم متأثرين جدا و يتحدثون عن الموضوع على انه قصة حب بل و بدأوا يسألون و ينتظرون بشوق هل ستنجح قصة الحب هذه أم ستفشل ؟؟ بدلا من انتظار عقوبة قصة الخيانة أو الغفران لها .
هذه المسألة تكررت بأكثر من عمل درامي و لأكثر من عام مضى لهذا وجب إعادة التفكير و الانتباه لهذا الخطر القادم للأجيال القادمة و عن تغيير منظومة القيم و تبدل المفاهيم .
الخطورة تكمن ليس في رؤية هذه الدراما من قبل الشخص البالغ و العاقل الذي ربما قد ينجرف بمشاعره و يتعاطف مع الخائن في المشهد التمثيلي لكنه يدرك تمام الإدراك أن الموضوع كبير و أنه إذا حدث في الواقع سيعتبر خيانة و ليس حب . إنما الخطورة تكمن في مشاهدة هذه المشاهد من قبل الأطفال و المراهقين اللذين لن يستطيعوا التمييز بين ماهو صحيح و ماهو خاطئ و لن يصلوا لهذا المستوى من الوعي الذي يجعلهم يفرقون بين الحقيقة و الواقع و بين الخيال و الدراما و التأليف .
و هكذا نجد أن ذلك سيأتي بنتائج مع المستقبل مدمرة للجيل الجديد ، و سوف يتكون لديه مفاهيم جديدة خاطئة و سيحدث التشويش و الصراع بين ما يجب أن يكون و بين مالا يجب .
سوف يتقبل مفهوم الخيانة الذي تضمنته هذه الدراما و شوهت الحقيقة فيه و يعتبر أن الموضوع عادي و طبيعي و ممكن أن يحدث بين أي اثنين .
فمن المعروف قوة تأثير الدراما على العقول و على المشاعر و النفوس تأثيرا يكاد يكون أقوى من أي شيء أقوى من الكتب و من الجرائد و من الشارع و من وسائل التواصل .
فهي تستطيع أن تدخل افكارها إلى أي بيت و إلى أي شخص سواء كان طفلا أو مراهقا أو بالغا أو عجوزا . لذلك من المفترض أن يكون محتواها مراقب بشكل كبير و أن يكون هناك ضوابط و شروط و مراعاة أن هذا المحتوى سيدخل كل بيت و سيؤثر بكل من يراه.
من الممكن أن نقدم المحتوى الذي نريده و بالشكل و الرؤية التي نريدها لكن عندما تكثر و تبدأ القصة بالانتشار و التكرار فهنا يجب تسليط الضوء عليها و محاولة نقدها و الحد منها و وضع علامة استفهام كبيرة من قبل المسؤولين و القيمين على هذه الأعمال.
منذ متى تبدل فعل الخيانة ليصبح حب ؟؟ منذ متى كنا نتعاطف مع الخائن و نحبه و نعتبره على حق ؟؟ منذ متى بدأنا نضع المبررات المقبولة و المنطقية لفعل الخيانة و نعطيه الموافقة الاجتماعية؟؟
على الدراما العربية تقع مسؤولية الانتباه للمحتوى الذي تقدمه و على المحطات العربية التي تعرض هذا المحتوى إعادة النظر و التفكير بما تعرضه ، مسؤولية الإعلام في هذا العصر مسؤولية خطيرة فكل ما تبثه من سموم و أفكار مغلوطة تصل بسرعة و تخزن في الذاكرة و في العقول الضعيفة الغير مدركة و الغير واعية .
على الدراما أن تتطرق لمواضيع أكثر أهمية و أكثر ملامسة لواقعنا و لهمومنا و مشاكلنا الكبيرة ، و أن تقدم مضمون غاية في العمق و الواقعية و توجد هناك أمثلة كثيرة كهجرة الشباب و اللجوء البطالة الفقر الرشوة المحسوبيات الحرب زواج القاصرات عمالة الأطفال و الاتجار بالأعضاء و الكثير الكثير من مئات القضايا المهمة الكبرى التي يجب أن تعالج و تقدم ، فمسؤولية الدراما ليس فقط في الإثارة و التشويق و قوة و براعة الإخراج و المؤثرات الصوتية و التقنيات الحديثة . مسؤولية الدراما هي أن تضع المجهر على مكامن الخلل في المجتمع و محاولة إيجاد حلول لها و لو كانت غير واقعية فالخيال مطلوب و مسموح ، و التلاعب بالأحداث و تغييرها وفق النص الدرامي مقبول ، أما تغيير القيم و قلب الحقائق فهو غير مسموح نهائيا و غير مقبول .
و ليس فقط بموضوع الخيانة بل بأي موضوع آخر ، لذا على الدراما العربية مراجعة نفسها و محاولة تقديم مضمون قيم و ثمين ترقى به بالمجتمع و تعالج ما فيه من نقص و أخطاء و تشوهات لا أن تضيف أخطاء و تشوهات أخرى.
فالفن رسالة لكننا للاسف تركنا الرسالة و بدأنا نلهث وراء الربح المادي و رؤية نسب المشاهدة و من كان في المرتبة الأولى و من كان في المرتبة العاشرة ، غير آبهين بنوعية المحتوى و بأهمية هذا الفن النبيل و بمدى تأثيره على مجتمع بأكمله و على الجيل الجديد .

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)