ardanlendeelitkufaruessvtr

إمكانيات الطموح الصيني وتطلعاته

إمكانيات الطموح الصيني وتطلعاته
عبدالباسط سيدا
تمكّنت الصين بفعل نظامها السياسي والاقتصادي، ونمطها المعيشي، وأساليب الإنتاج التي تعتمدها، من منافسة التكنولوجيا الغربية، عبر التركيز على الأسعار الأقل والمواصفات النوعية القادرة على المنافسة.
الصين تسعى لحماية تطلعاتها الاقتصادية بخطوات سياسية
ما يُستنتج من السعي الصيني لتعميق العلاقات مع روسيا من جهة، وتعزيز قوتها الدفاعية من جهة ثانية، والعمل على استقطاب القوى المجاورة لها أو القريبة منها جغرافياً ومصلحياً، سواء في الشرق الأقصى وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وحتى في أفريقيا، هو أن الصين باتت تستعد لتحديات ومسؤوليات صاحب موقع الاقتصاد الأقوى في العالم. فهي تحضّر نفسها لتبعات المسؤوليات المفروضة على كاهلها، بوصفها قطبا من الأقطاب المحورية التي سيرتكز عليها النظام العالمي الجديد في مرحلة ما بعد إخفاق الأحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة.
فالقيادة الصينية التي ما زالت تحكم باسم الحزب الشيوعي، تمتلك من إمكانيات التحرّك ما لا تمتلكه عادة الأنظمة الديمقراطية التي تعاني من أزمات متباينة، تنعكس سلباً على آلية اتخاذ القرارات والقدرة على إجراء الإصلاحات والتعديلات بوتيرة تنسجم مع الحاجات والمستجدات.
هذا بالإضافة إلى الموارد البشرية والطبيعية الهائلة التي تمتلكها الصين. وهي موارد لا غنى عنها لأي اقتصاد عملاق، يحتاج قبل كل شيء إلى المواد الخام والطاقة الإنتاجية، إلى جانب الأسواق الداخلية والخارجية.
وقد تمكّنت الصين بفعل نظامها السياسي والاقتصادي، ونمطها المعيشي، وأساليب الإنتاج التي تعتمدها، من منافسة التكنولوجيا الغربية، عبر التركيز على الأسعار الأقل والمواصفات النوعية القادرة على المنافسة. وما ساعدها في هذا المجال إتقان التقليد والاستنساخ، ثم الاستفادة من التكنولوجيا والبحث العلمي الغربيين بأقل التكاليف.
    مؤشرات كثيرة تؤكد احتمالية تراجع الاعتماد العالمي على نفط المنطقة في المستقبل المنظور. بالإضافة إلى المخاطر التي تهدد الأمن الغذائي نتيجة الزيادات السكانية والتقلبات المناخية
والأساليب التي تتبعها سابقاً في هذا المجال لم تكن تلفت الانتباه، ولكن مع تعاظم القوة الاقتصادية الصينية، وتنامي حاجتها إلى الانتشار والتوسع في مختلف المناطق، وبلوغها مستوى القدرة على المنافسة من جهتي المواصفات والأسعار، إلى جانب امتلاك مقومات التحكّم بالتكنولوجيات المستقبلية، كل هذه العوامل أدت بالولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، إلى اتخاذ تدابير احتياطية رادعة تستهدف الحد من الاندفاع الصيني الاقتصادي وحتى العمل من أجل زعزعته إن أمكن.
والأزمة الخاصة بشركة “هواوي” المستمرة حتى الآن، إلى جانب حرب إجراءات الحماية الجمركية، لن تكون سوى الخطوات الممهدة لصراع قادم، يتمركز أساسا حول الأسبقية التكنولوجية ومآلاتها على صعيد السيادة العالمية.
ومن الملاحظ أن الصين تسعى لحماية تطلعاتها الاقتصادية بخطوات سياسية، وحتى عسكرية، ترى من الضروري الإقدام عليها من أجل امتلاك مقوّمات وقدرات القطب الاستراتيجي.
ومن هذه الخطوات تعزيز العلاقة مع روسيا في مرحلة نهوض هذه الأخيرة، وسعيها هي الأخرى لإثبات نفسها بوصفها قطبا رئيسا قادرا على المنافسة، والتمدد في أجواء عالم الأقطاب المتعددة. ويشار في هذا السياق إلى التنسيق الصيني- الروسي على صعيد استخدام حق النقض لمرات عدة في مجلس الأمن، وذلك لتعطيل أي مشروع قرار كان يدعو إلى إدانة النظام السوري، فقد كان هذا التنسيق مقدمة لافتة من مقدمات الاستعداد الصيني لمرحلة التحدي.
هذا مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن روسيا ترى من ناحيتها أهمية كسب الصين إلى جانبها، وذلك بعد عقود من التوتر والجفاء شهدتها مرحلة الخلافات الأيديولوجية في عهد نيكيتا خروتشوف. وهي المرحلة التي أعقبها التقارب الصيني الأميركي الذي عمل عليه وهندسه وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر في سبعينات القرن الماضي تحت مسمى سياسة احتواء الصين.
    القيادة الصينية التي ما زالت تحكم باسم الحزب الشيوعي، تمتلك من إمكانيات التحرّك ما لا تمتلكه عادة الأنظمة الديمقراطية التي تعاني من أزمات متباينة، تنعكس سلباً على آلية اتخاذ القرارات
ويبدو أن الانفتاح الصيني على كوريا الشمالية الذي أكدته زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى بيونغ يانغ حيث عقد اجتماعات مطولة مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، يوحي ببوادر تشكّل تحالف إقليمي جديد في منطقة شرق آسيا وآسيا الوسطى، يكون دعماً للجهود الرامية إلى الارتقاء بمكانة ودور ومدى تأثير منتدى شنغهاي، ليتحوّل إلى تكتل اقتصادي كبير منافس للولايات المتحدة، وحتى الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من جملة صعوبات لا تقتصر فقط على مسألة الانسحاب البريطاني من الاتحاد، بل تشمل تراجع مستويات الثقة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة نتيجة السياسات الأميركية الوحيدة الاتجاه.
وما يهمنا في المقام الأول، يتشخص في أهمية معرفة انعكاسات هذه المتغيرات الكبرى في الساحة العالمية على واقعنا الإقليمي المتخم بالصراعات، وهي في معظمها ناجمة عن الدور التخريبي الذي أدّته إيران على مدى عقود في دول المنطقة، بالإضافة إلى عدم الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القضية الكردية في مختلف دول المنطقة.
ومن جهة أخرى، فإن مؤشرات كثيرة تؤكد احتمالية تراجع الاعتماد العالمي على نفط المنطقة في المستقبل المنظور. بالإضافة إلى المخاطر التي تهدد الأمن الغذائي نتيجة الزيادات السكانية والتقلبات المناخية، والنقص المستمر في مخزونات المياه، إلى جانب الإخفاق في بلوغ مستوى مقبول من التقدم الصناعي والعلمي يرتقي إلى مستوى الحاجات والتحديات، وتأثر كل ذلك بوضعية الفساد والاستبداد التي تلتهم الموارد، وتسد الآفاق أمام الجهود الإبداعية للأجيال الشابة.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)