ardanlendeelitkufaruessvtr

حوار لم يجر

بقلم صابر بن عامر حزيران/يونيو 27, 2019 66

حوار لم يجر
صابر بن عامر
أيقونات مُشتركة بين الأب ونجلته، وهو شيء غريب، فمعلوم أن الرسم، هو الفن الوحيد الذي يُنجز مُنفردا. لكن الفتاة كانت تستلهم خيال أبيها لتُتمّ عنه ما خُلّد بذاكرته المُترهّلة.
سحر مدينة المهدية
في زيارتي الأخيرة إلى المهدية (وسط تونس) لمواكبة فعاليات الدورة التأسيسية لمهرجان “مسارات المسرح التونسي” بالمدينة الساحلية، كان لا بدّ من شرب فنجان من “القهوة العربي”، أو “القهوة التركية” كما يسميها الغربيون.
اصطحبت صديقي الصحافي التونسي محسن تيس، وذهبنا إلى مقهى “سيدي منصور” المُتاخم للبحر، شربنا فنجاني قهوة وتمتعنا بأشعة الشمس الدافئة في ذاك الصباح الرشيق، ثم حملنا تيهنا بالمقهى وأجوائه وجلاّسه، وتسكّعنا بالمدينة العتيقة للعاصمة الفاطمية الضاربة في عمق التاريخ.
ونحن نسير بأروقتها، استوقفنا “غاليري” للفنون التشكيلية، فدخلنا، لنلتقي بسيّدة أربعينية، لا يهم اسمها ولا لقبها، أو ربما عليّ التحفّظ عن ذكرهما احتراما لهروبها من مُحاورتي بعد الذي كان بيننا صبيحتها.
لوحات عادية لمشاهد انطباعية منتقاة من سحر مدينة المهدية وناسها، وفجأة، ونحن بصدد الولوج إلى غرفة قصيّة بالرواق، وقبل أن نلجها أغلقت السيدة الباب دوننا!
سألتها “ما الذي دعاك إلى غلق الباب سيدتي؟”. أجابت مُرتبكة “ومن أنتما؟”، أردفت “صحافيين”، قالت “آسفة، حسبتكما من أهل المدينة الذين يرفضون لوحاتي وعُريها”.
استغربت الأمر أكثر، وقلت “لكن أهل المهدية منفتحون وعاشقون للفنون”، فقالت “هو الظاهر، أما الباطن فغير ذلك”. وقبل أن أسترسل في الكلام، فتحت السيدة الباب ودعتنا للفرجة.
صور لنساء عاريات تماما، هنّ من وحي شبق أبيها الراحل والتي كانت تُتمّ عنه الألوان ولطخات السكين والفرشاة. إذا، هي أيقونات مُشتركة بين الأب ونجلته، وهو شيء غريب، فمعلوم أن الرسم، هو الفن الوحيد الذي يُنجز مُنفردا. لكن الفتاة كانت تستلهم خيال أبيها لتُتمّ عنه ما خُلّد بذاكرته المُترهّلة، وهو في أيام عمره الأخيرة، قبل أن يُغادر الدنيا، ولم يُغادرها طالما ترك ابنة تستعيد رسومه ومجونه الراقي في لوحات مُشتركة الرسم والتلصّص على الذاكرة “المهداويّة” الجميلة قبل أن تُصاب تونس إثر 14 يناير 2011 بلوثة “الداعشية” الدخيلة على عادات البلد وأهله.
غادرت الرواق على أمل أن نجري حوارا تفصيليا في المساء، إلى أن أتتني مُكالمة منها قبل موعدنا بساعة، تعتذر فيه عن لقائنا بتعلّة التزام عائلي طارئ، وأنا الذي سأعود صبيحة الغد إلى تونس العاصمة.
غادرت المهدية وفي عقلي حوار لم يجر وفي قلبي لوحات عارية تماما إلاّ من حب استثنائي من ابنة لأبيها، والتي أتمّت عنه هوسه وولعه بفن ما يزال يُعدّ، ونحن في الألفية الثالثة، من التابوهات!
آآآه.. يا وطني كم نخرك السوس!
صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)