ardanlendeelitkufaruessvtr

النصوص المرتجلة على خلفيات السيارات

بقلم وارد بدر السالم حزيران/يونيو 27, 2019 244

النصوص المرتجلة على خلفيات السيارات
وارد بدر السالم
مع تجدد الحياة الثقافية في العالم وتطوّر الخيال في مراحله الكتابية، انبثقت نصوص حرة لا رابط لها في سياقات القوانين الأدبية ومقتضيات النقد. بلا جنس أدبي تُسمّى به.
نصوص موجهة إلى كل مكان
يهيمن علينا النص قبل تجنيسه. وتهيمن علينا الفكرة قبل أن تتكاثر بين السطور. وفي الكتابة السردية والشعرية بشكل عام تهيمن علينا الصورة ومعطياتها التالية في الخيال والتأويل. الصورة التي تلخّص النص إلى حدّ تقريبي وتكتفي بالإيحاءات التي تتركها لدى التلقي العام. غير أنّ السارد له مزاج فني تفصيلي آخر بتعددية الصور والشخصيات. مثلما للشاعر تكثيفهُ الفني المقتضَب الدال.
ومع تجدد الحياة الثقافية في العالم وتطوّر الخيال في مراحله الكتابية، انبثقت نصوص حرة لا رابط لها في سياقات القوانين الأدبية ومقتضيات النقد. بلا جنس أدبي تُسمّى به. وظلت عائمة حتى اليوم. خارجة عن مدى الكتابة “الرسمية” وثوابت المسميات لتكون “النصوص الحرة” التي ابتعدت عن التجنيس الأدبي واستقلّت بحالها في علامة تطور الكتابة والخروج من أزمة التسمية، ولعل كتاب “أسطوريات” لرولان بارت يقع في هذا الباب عندما تناول به اليوميات التي أهملتها الكتابة في الشعر والقصة والرواية، وبورخيس في معظم نصوصه اليومية.
وبقيت الالتقاطات العائمة في الشارع والبيت تدخل في مشغل الكتابة، وبالتالي انتشرت نسبيا، حتى شيوع السوشيال ميديا وتوابعها الإلكترونية، لتكون منافذ كتابة آنية تمارسها الأغلبية ممن وجدوا فيهم طاقات للكتابة ومحاورة الحياة بطرق متعددة.
    كتابة عشوائية متحركة على واجهات السيارات وخلفياتها هي نصوص منفلتة من الرقابة، وإشهارات مجتمعية وسياسية وعاطفية متناوبة
ولظروف مختلفة بين الشعوب المتحضرة والمتخلفة معا، وقفنا ذات مرة على كتابات الجدران العربية والعراقية، التي توسعت كثيرا بعد ما سمي بثورات الربيع العربي وكيف كانت توصف بأنها “أدبيات” مباشرة ذات أهداف سريعة تماشيا مع الظروف السياسية المتحولة. والحال تشبهها في الكتابة على خلفيات السيارات وجوانبها التي نعدّها ظاهرة أدبية مرتجلة بالرغم ما فيها من ركاكة في الكثير من الأحيان؛ غير أنه يمكن عدّها برقيات أدبية أو اجتماعية وسياسية أو أخلاقية فلتت من قوانين الكتابة، بوصفها كتابات حرة لا تعنيها القوانين الثقافية القارّة وتكتفي بإرسالياتها الشعبية شعرا ونثرا وخواطر وومضات وإشارات وحِكمَا ومناجاة ومناغاة، بما يعني خروجها المباشر من مزايا نظام الأبوّة الأدبي القسري المتعارف عليه، وراحت تؤسس نظامها الشخصي على مراحل زمنية بظروف متعددة، وكما أن الكتابة على الجدران وُلدت بظروف متعاقبة شرقا وغربا، فإن الكتابة على السيارات بالملصقات التجارية لها خاصّية شخصية في ولادة (أدب) ارتجالي شعبي واسع النطاق في العالم العربي على الأقل.
هذه الكتابة العشوائية المتحركة على واجهات السيارات وخلفياتها هي نصوص منفلتة من الرقابة، وإشهارات مجتمعية وسياسية وعاطفية متناوبة. وهي رسائل متنقلة على الطرقات والشوارع. بل هي نصوص موجهة إلى كل مكان بحدث لا تحكمه زمنية محددة ولا رقابة اجتماعية أو سياسية. لكن الذي اختلف قليلا عن كتابات الجدران هو أن مثل هذه الكتابات لا تتدخل بها الأصباغ بل الملصقات الصمغية التي تعملها شركات البلاستك بعيدا طبعا عن الرقابة المرورية.
“لا تسرع يا بابا نحن بانتظارك” أشهر عبارة عربية على خلفيات السيارات، وهي عبارة تنبيهية إلى السائقين من خطورة السياقة المتهورة السريعة، ومع أن مثل هذه التوجيهات التربوية تكاد تختفي؛ إذ حلّت محلها عبارات الحب والوصال والنكتة والصور وأعلام الميليشيات ومسمياتها والمفارقات والطرائف وتداعيات الزمن والهجران والخوف والزواج  والعتب والفكاهة والتهكم والمقتطفات الشعرية لقصائد عاميّة مشهورة لحبيبات غائبات وإشارات سياسية لهذا الحزب أو ذاك، في فوضى غير منضبطة إلى حد كبير مما يجعل من الشارع العراقي -مثلا- شارعا علاماتيا لكثرة الإشهارات الفوضوية في الملصقات الصغيرة والكبيرة على السيارات في الشوارع المزدحمة، الأمر الذي يجعلك تقرأ كل شيء يمينا ويسارا.
    الشارع العراقي بعشرات الآلاف من السيارات يحمل معه شعاراته اليومية في نصوص عشوائية مرتجلة، لكنها موجّهة إلى الجميع
 ومثل تلك العلامات الدالّة وغير الدالّة تشير إلى مجتمع متناقض في الرؤى الفكرية والأخلاقية والسياسية في مثل هذه النصوص العابرة وهي تتنقل في الشوارع على مدار اليوم. وسنجد هذا في المناسبات الدينية الكثيرة التي تلخّص توجها طائفيا بعينه على حساب الشارع واختلاطاته الطبيعية.
نقرأ هذه النصوص المرتجلة على أنها من الفائض النفسي لمجتمع يحيط به الخراب. وينتشر الجهل فيه. ولا ينتظر مستقبلا معقولا. وهو إحباط له مسبباته السياسية الواضحة. لكن مثل هذه العبارات؛ وهي نصوص عشوائية؛ تفسر لحظة اجتماعية متداخلة بين القسوة والخوف واليأس من المقبل بتهكمية غير سارّة، فعبارات “لك يوم يا ظالم” و”رميت همومي في البحر طلع السمك يلطم” و”اللهم أشبع ساسة العراق” و”ألف عدو ولا صديق واحد” هي عبارات منتزعة من الروح الإنسانية التي وجدت نفسها فاشلة ومحبطة في مجتمع كبير أغرقته السياسة بفسادها ولا واقعيتها ودونيتها، ولا تُقرأ على أنها عبارات عابرة للاستهلاك التهكمي والفكاهي فحسب، بل هي من واقع متداخل ومحتدم نفسيا. ينتظر الإفراج عنه ليجد طريقه إلى الغد، وهكذا فإن الشارع العراقي بعشرات الآلاف من السيارات يحمل معه شعاراته اليومية في نصوص عشوائية مرتجلة، لكنها موجّهة إلى الجميع: إلى السياسيين وأتباعهم. وإلى المجتمع الذي وجد أنه في خانق ضيق وعليه أن يتحرر من ذلك الخانق ليشم هواء نقيا، ويستبدل شعاراته ويمضي إلى المستقبل.
روائي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)