ardanlendeelitkufaruessvtr

"لا تجعلوا إعاقتكم تمتد إلى أرواحكم"

بقلم شيماء رحومة تموز/يوليو 02, 2019 84

"لا تجعلوا إعاقتكم تمتد إلى أرواحكم"
شيماء رحومة
أول خطوة لتحقيق المجد لا تنبع من أعماق طفل لا يفقه شيئا مما يدور حوله، بل من حسن تدبير العائلة الحاضنة له، فهي قادرة على قهر وإسقاط مصطلح المستحيل من قواميسه ومفرداته.
الإعاقة ليست عجزا
كثيرا ما تطلعنا أخبار صنع أصحابها من إعاقاتهم المعجزات وخلقوا من النقص كمالا، ومن هؤلاء عبدالله أونال ونزيهة قوجاق، وهما تركيان أحبا الرقص على كراس متحركة، فتحولت هوايتهما المشتركة للرقص إلى قصة عشق توجت بالزواج.
وقال أونال، الحائز على لقب بطل أوروبا في الرقص على الكرسي المتحرك ”إعاقتنا لا يمكن أن تكون عائقا أمام الحب أو الفن”، لافتا إلى أنهما يطمحان للحصول على لقب بطولة العالم في مجال الرقص.طموحهما مشروع ومن الممكن جدا أن يتحقق عاجلا أو آجلا، طالما يريدان ذلك، فالرقص لا يحتاج إلى أقدام ثابتة على الأرض بل إلى الثبات من أجل الوصول إلى الأهداف المنشودة، وإثبات القدرات الكامنة في أعماق تقف بوجه قوانين الطبيعة التي طوعتها بعض النفوس المريضة حتى تخرج من دوائرها كل مختلف.
وتعد الإرادة أكبر تحد لأي عجز مهما كان حجمه، فالإعاقة الحقيقية لا تكمن في نواقص أعضاء الجسد، وإنما في جمود العقل مع عدم الإيمان بالقدرات الذاتية التي يتحلى بها كل فرد، فـ”هناك من يؤمن بقدراته رغم عجزه وهناك من يؤمن بعجزه رغم قدراته”.
المشكلة لا تبدأ حين نولد أو نتعرض في طريق خط حيواتنا إلى حوادث نضطر بسببها إلى التخلي عن جزء أو أجزاء من أعضاء الجسد، لكن تبدأ حين نكف عن الرغبة في العطاء، ولعل أكثر شريحة مجتمعية متشبعة بمبادئ الاتكال على الآخر هي المتسولون، إذ يتفنن أغلبهم في إحداث عاهات في جسده حتى يستدر عطف المارة من أجل حفنة من الجنيهات.
وهنا تقع المهمة كالمعتاد على أصغر وأهم خلية بالمجتمع وهي العائلة حتى تنشئ أبناءها على جملة من السلوكيات التي تضمن لهم حسن الاندماج في مجتمعاتهم مهما كانت حالة أجسادهم، فالنجاح في تحدي أي إعاقة لا يقطف ثماره المريض فقط بل كل أهله وعلى رأسهم الأم.
الإعاقة لا تخص سوى الجسدالإعاقة لا تخص سوى الجسد
استبدال أنامل اليد بأصابع الساق أو اللسان أو أي عضو قادر على العطاء أفضل بكثير من فتح كف اليد أمام الآخرين، وقد أعطى عالم الفيزياء البريطاني الراحل، ستيفن هوكينغ، دروسا للعالم في القفز فوق عجز الجسد، قائلا “نصيحتي للآخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة.. لا تشعروا بالألم في التخلي عن الأشياء التي تمنعكم الإعاقة عن فعلها. لا تجعلوا إعاقتكم تمتد إلى أرواحكم كما وصلت إلى أجسادكم”.
ولم يكن هوكينغ النموذج الوحيد الذي صنع من العجز مجدا، فالنماذج كثيرة من الذين وجدوا سعادتهم الحقيقية في التكيف مع أوضاعهم الصحية ونجحوا في أن يكونوا مختلفين فعليا عن الأناس الطبيعيين، لكن ليس في وظائف جسدية لا يملكون تغيرها، بل في تميز خلق من أعماق أرواح آمنت بذواتها، حتى أن البعض منهم طرق أبواب أخطر المغامرات ونجح في اجتيازها رغم فقدان القدرة على التحكم في الساق كتسلق قمم عالمية أو الغوص في أعماق المحيطات على كراس متحركة.
كما حاول الكثير منهم مشاركة عالمه المليء بالحزن والألم مع الآخرين حتى يكون قبسا ينير ظلمة نفوسهم الغارقة في نعم صحة جسدية لا يستفيدون منها شيئا، وكانت الرسامة المكسيكية الشهيرة، فريدا كاهلو، مثلا حيا، حيث نقلت عالم الآلام الذي يتخبط بداخلها في لوحاتها لتتجاوز عجز قدمها إلى معانقة العالمية.
النجاح يحصل حين يكف المرء عن ندب حظه العاثر أو التفكير المعتم في التخلص من حياته، وأول خطوة لتحقيق المجد لا تنبع من أعماق طفل لا يفقه شيئا مما يدور حوله، بل من حسن تدبير العائلة الحاضنة له، فهي قادرة على قهر وإسقاط مصطلح المستحيل من قواميسه ومفرداته لبناء حياة لا تختلف في حيثياتها عن أقرانه. وهناك عامل آخر مهم للغاية يدعم الجهود العائلية ويشد أزرها وهو الدولة، من الواجب أن تضع الدول ذوي الاحتياجات الخاصة على رأس أولوياتها حتى يتسن لهم الاندماج دون عوائق، وهذه النقطة لا تزال المجتمعات العربية تعاني بسببها فوراق كثيرة مقارنة بنظيراتها الغربية، لا تظهر فقط في حزمة القوانين بل أيضا في جملة القيم والسلوكيات التي تقهر المختلف بإخراجه من دوائرها السوية عبر تمييزه بكلمة “معاق”.
وكلمة معاق في عرف المجتمعات العربية لا تعني إلا العجز وبالتالي الحكم على المريض بالجلوس بعيدا ومتابعة مجريات الحياة من دكة الاحتياط بإحدى الجمعيات القلائل الهادفة إلى تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة حرفة يقتاتون منها إن فلحوا في ذلك، على أمل مشاركة وهمية في الفعل ورد الفعل داخل مجتمع لا يؤمن بقواه الحقيقية.
وإلى أن يرقص عبدالله ونزيهة آخران لا بد من كسر حواجز صنعتها قلوب مريضة وتفشت أوبئتها دخل المجتمعات.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)