ardanlendeelitkufaruessvtr

معايير المبدعين ومعايير القراء

   
معايير المبدعين ومعايير القراء
تيسير خلف
معايير المبدعين، لا تتوافق في الكثير من الأحيان مع معايير الجمهور، وما يراه المبدع عملا استثنائيا، قد لا يجد قبولا لدى جمهور المتابعين.
هي معضلة كبرى يعيشها المبدع بين مشروعه الفني والذائقة السائدة، وهي معاناة قديمة، وقد حفظت لنا كتب التراث العربي الكثير من القصص الطريفة المنقولة عن أبي تمام وغيره من المبدعين الذين سبقوا عصرهم، وتجاوزوا ذائقة جمهورهم.
من ذلك، قصة حبيب بن أوس الطائي، الذي قيل له في إحدى المناسبات “لم تقول ما لا يفهم؟” فـأجاب من دون تردد “لم لا تفهم ما يقال؟” وقصة إرسال أحدهم إلى أبي تمام قارورة وقال “ابعث في هذه شيئا من ماء الملام” فأرسل إليه أبوتمام قائلا “إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل، بعثت إليك شيئا من ماء الملام”. وكان المرسل يقصد البيت الذي يقول “لا تسقني ماء الملام فإنني/ صب قد استعذبت ماء بكائي”.
وفي العصر المملوكي، الذي يصنف كعصر انحطاط في مسار تاريخ الأدب العربي، كان هنالك شاعر يدعى العلاء الصبيبي، وصفه المؤرخ صلاح الدين الصفدي بالجنون لأنه يكتب صورا غريبة، منها قوله “هل لكم من شعور بأفاعي الشعور”.
ذائقة ذلك العصر لم تكن تستوعب صورة غريبة مثل “أفاعي الشعور”، فكان الحكم على الشاعر بالجنون، حتى أن البعض كان يحرض الأطفال في سوق الخياطين بمدينة دمشق على اللحاق به وضربه بالحجارة وتعييره بالخبل. وكان علينا أن ننتظر ستة قرون لكي يتقبل الجمهور عنوانا مثل “أزهار الشر” لبودلير، أو “أفاعي الفردوس” لإلياس أبي شبكة.
وكان الراحل محمد خان يرى في فيلمه “الغرقانة” أكثر الأفلام قربا من حلمه السينمائي، فيه حقق تصوره للفن الخالص البعيد عن ضغط سينما الواقع التي صنف ضمن فرسانها، ومع ذلك لم يعبأ أحد بالفيلم حين عرض جماهيريا، ولم ينصفه حتى نقاد المجلات الفنية، الذين تمت قولبتهم ضمن نسق الذوق السائد، فضاع جهد المبدع، ودفن حلمه السينمائي، في وقت، ربما كان ينتظر تكريما من طرف النقاد على الأقل، يقترب من تكريم فيلم “المومياء” لشادي عبدالسلام. الأمر نفسه حصل مع الشاعر محمود درويش، في منتصف السبعينات من القرن العشرين، حين كتب قصيدة “الرمادي”، و”تلك صورتها وهذا انتحار العاشق”، وغيرها من قصائد تلك الحقبة اليتيمة. ويومها لم تحتف بهذه القصائد سوى نخبة من الشعراء المنتمين إلى تيار ما بعد الحداثي، فكان الخيار بين قصائد رفيعة ترضي شهوة الإبداع، وبين قصائد يصفق لها الجمهور، ولكن درويش، وبسبب موهبته الاستثنائية، ابتكر أسلوبه الذي أرضى الجمهور والنقاد في وقت معا.
سلطة الجمهور قد تكون مقبرة للإبداع إن خضع لها المبدع؛ إن الكثير من المبدعين خضعوا فماتوا، وآخرون نجوا، ولكنهم غابوا في أبراجهم العاجية، فكان الهروب من الموت إلى الغياب أشبه بهروب “الهيبيز” من ضجيج المدينة إلى الغابات، بحثا عن حياة متحللة من القيود.
كاتب من سوريا
   
           
سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)