ardanlendeelitkufaruessvtr

تكذيب الجزائر لتصريحات باشاغا: حرج التصريح بحقيقة الموقف

بقلم الحبيب الأسود تموز/يوليو 13, 2019 97

تكذيب الجزائر لتصريحات باشاغا: حرج التصريح بحقيقة الموقف
الحبيب الأسود
ما نقله فتحي باشاغا وزير داخلية الوفاق عن رئيس وزراء الجزائر كان جانبا من موقف الدولة الجارة، ولكن إخراجه للعلن أحرج الطرفين ما جعل الخارجية الجزائرية تفنده عن مضض.
وزير داخلية الوفاق يفكر بمنطلق قائد الميليشيا
هل كان وزير داخلية حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا في حاجة إلى المزيد من الحرج حتى ينسب إلى مسؤولين جزائريين، منهم رئيس الوزراء نورالدين بدوي، تصريحات سرعان ما كذبوها عن طريق بيان لخارجية بلادهم؟ وهل أدرك الجزائريون حقيقة السلطات الخاضعة لأوامر الميليشيات في طرابلس ومصراتة وكيف أنه لا يمكن الوثوق بها، حيث أنها لا تعرف أن ليس كل ما يقال في السر ينقل إلى العلن، ولا كل من يُتداول في الصالونات ينشر عبر أبواق الإعلام؟
ليس جديدا أن الجزائر ترتاح لجماعة الإخوان أكثر من ارتياحها للمشير خليفة حفتر، وليس جديدا أنها تخشى أن يأتي زعيم قوي لليبيا يذكرها بتاريخ صراعاتها الخفية مع معمر القذافي وخاصة حول النفوذ في منطقة الساحل والصحراء، كما ترى أن حكما ضعيفا معزولا في طرابلس أفضل بالنسبة لها من ليبيا تحت نفوذ الجيش الوطني المتحالف مع مصر عبدالفتاح السيسي.
وما نقله باشاغا عن تشديد رئيس الوزراء الجزائري على ضرورة أن يتكلم رئيس الاتحاد الأفريقي عن الدول التي تزعزع الاستقرار في ليبيا ويسميها بأسمائها، وقوله إن المشير خليفة حفتر لا يمثل شيئا أمام قداسة وعظمة ليبيا وأهميتها إقليميا ودوليا، ودعوته الأمم المتحدة إلى إصدار بيان بشأن الظرف الحالي الذي تمر به ليبيا جراء ما سمي بمحاولة حفتر السيطرة على العاصمة طرابلس، كان جزءا من الحقيقة وليس الحقيقة كلها، لكن ليس للنشر على نطاق واسع، ففي مثل تلك اللقاءات من المفروض أن يتم الاكتفاء بإذاعة بيان رسمي تتم كتابته بالكثير من الحذر السياسي والانضباط الدبلوماسي.
لكن وزير داخلية الوفاق، كان يفكر بمنطلق قائد الميليشيا وأمير الحرب الباحث عن أي أداة ممكنة لرفع معنويات مسلحيه في محاور القتال، أو لكسر جدار العزلة الذي تواجهه حكومته إقليميا ودوليا، لذلك سارع بنقل كل ما قيل له أو أمامه في القاعة المغلقة، ما اضطر الخارجية الجزائرية إلى نشر بيان تفنيد.
كانت الجزائر قد احتضنت في 2015 أولى جلسات الحوار الليبي الهادفة إلى إعادة تدوير الإسلام السياسي بعد هزيمته في انتخابات 2014 البرلمانية وانقلابه على النتائج من خلال منظومة فجر ليبيا، لينتقل الحوار بعد ذلك إلى الصخيرات بالمغرب، ونتجت عنه تلك المخرجات الكارثية التي تشكل بموجبها المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق غير الدستورية وفق أحكام القضاء، وغير المعتمدة من قبل مجلس النواب المنتخب.
واستقبلت الجزائر أغلب رموز الإسلاميين الليبيين وارتبطت معهم بعلاقات كان للنظامين القطري والتركي دور مهم في توطيدها، لكن الدور الأبرز يعود لإسلاميي تونس الذين تعرفهم الجزائر معرفة جيدة وخاصة منذ ثمانينات القرن الماضي، حتى أنها كانت إحدى الجهات التي دفعت إلى لقاء باريس في صيف 2013 بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي لعقد صفقة تقاسم السلطة بينهما، ولم يتردد إخوان تونس في فتح المجال أمام نظرائهم الليبيين للتقارب مع السلطات الجزائرية، تحت زعم العمل على تقليص الدور المصري في المنطقة.
وتعوّد إسلاميو تونس وليبيا اعتماد فزاعة الخوف مما يسمونه حكم العسكر في ليبيا، وقد صدّق الجزائريون ذلك ليس خوفا من عسكرة الدولة ولكن خشية انقلاب موازين القوى في المنطقة، وانطلاقا من فكرة الجزائر الكبرى التي لن تقبل بأي قوة أخرى تنافسها، والتي تعتبر أن غرب ليبيا هو فضاؤها الحيوي الذي ترفض أن يقع تحت سيطرة الجيش الوطني المتحالف مع القاهرة، لذلك كان لها دور مهم في ترتيب الأوضاع في منطقة الجنوب الغربي وخاصة من خلال التقريب بين علي كنة القيادي العسكري التارقي المحسوب على النظام السابق، والمجلس الرئاسي، ليمضي فايز السراج على قرار تعيين كنة آمرا للمنطقة العسكرية سبها، بقصد عرقلة تحركات القوات المسلحة الليبية في المناطق الحدودية المتاخمة للجزائر.
 وعندما أطلق الجيش الوطني الليبي عملية “طوفان الكرامة” لتأمين العاصمة طرابلس في الرابع من أبريل الماضي، شعر الجانب الجزائري أن المشير حفتر خطا هذه الخطوة من باب استغلال الأوضاع الطارئة في الجزائر نتيجة الحراك الشعبي ضد العهدة الخامسة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الأمر الذي جعل وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، يصرح في أبريل الماضي، أن بلاده لا تقبل بقصف عاصمة في دولة من المغرب العربي، وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التونسي خميس الجهيناوي “لا نقبل أن يتم قصف عاصمة في دولة من المغرب العربي ونحن صامتون”، وهو ما جعل وزارة خارجية الحكومة الليبية المؤقتة المنبثقة عن مجلس النواب المنتخب ترد بالقول إن “ما يحصل شأن داخلي ليبي يخص ليبيا والليبيين ولن نسمح لأي طرف كان بالتدخل في شؤوننا الداخلية”، وأن “ما يحصل هو معركة لاستعادة الدولة الليبية وإعادة الأمن والاستقرار وإنهاء فوضى السلاح والميليشيات والإرهابيين والمجموعات المطلوبة دوليا من العناصر الأجنبية”.
ومما لا شك فيه أن موقف الجزائر الداعم لحكم الميليشيات في طرابلس وارتباط موقف تونس به، ساهم في إفشال أي مساهمة فعلية من دول الجوار في الدفع نحو الحل الذي اقتنعت الدول الكبرى بأنه لن يتحقق إلا في ظل بسط القوات المسلحة نفوذها على كامل أرجاء البلاد، وكذلك في تحويل الاجتماعات الثلاثية مع مصر، إلى مجرد مناسبة لتبادل المجاملات المنافية لواقع الخلاف الجدي بين الدول الثلاث حول الموقف مما يدور في ليبيا.
ففي الوقت الذي تدعم فيه مصر بكل قوة القيادة العامة للجيش، تبدي الجزائر وتونس تعاطفا مع ميليشيات غرب ليبيا تحت شعارات الدعوة إلى الحوار مع المجلس الرئاسي الخاضع لسلطة الإسلام السياسي المرتبط بعلاقات قوية مع حلفاء فاعلين في الجزائر وتونس.
ما نقله فتحي باشاغا وزير داخلية الوفاق عن رئيس وزراء الجزائر كان جانبا من موقف الدولة الجارة، ولكن إخراجه للعلن أحرج الطرفين ما جعل الخارجية الجزائرية تفنده عن مضض، لأن التصريح به في هذا الوقت بالذات ليس من الحكمة في شيء، والسياسي الحكيم يجب أن ينظر بالكثير من التروي لما يدور في الحاضر وما قد ينتج عليه في المستقبل، خصوصا وأن الجيش الليبي لن يتراجع عن مهمته، ومعه الأغلبية الساحقة من الشعب الذي ذاق الويلات خلال السنوات الثماني الماضية.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)