ardanlendeelitkufaruessvtr

العصيان يطول "حديقة الأمراء"

بقلم مراد البرهومي تموز/يوليو 14, 2019 97

العصيان يطول "حديقة الأمراء"
مراد البرهومي
قصة نيمار ربما تبدأ اليوم، ستبدأ فعليا عندما يستوعب الدرس ويعي أن تلك السعادة الكروية لا تنبني إلاّ عبر الإنجازات الخالدة، عليه أن يعلم أن كل أموال الدنيا لن تكون كافية لشراء المجد والطمأنينة.
نيمار دبت في عروقه بوادر الثورة ونوازع التمرد
هو أشبه بفيلم سيء الإخراج، بل هو فيلم رصدت من أجله أموال طائلة كي “يكسر الدنيا”، لكن لم يحصد في النهاية سوى الفشل الذريع.
قصة اليوم تتشابه مع قصة رجل فاحش الثراء أراد أن يتباهى بأمواله فأغرى بنت السلطان كي تتزوجه ليدفع من أجلها الغالي والنفيس، لكن في نهاية المطاف هربت منه بعد أن أحكمت قبضتها عليه وانتزعت منه كل ما أرادت.
هي قصة هذه “الزيجة” بين نادي باريس سان جيرمان والنجم البرازيلي نيمار، لقد أوشكت العلاقة على الانتهاء، الرحلة لن تكتمل على الأرجح، واللاعب الموهوب يريد الرحيل مهما كلفه ذلك.
لقد أعلن العصيان، ودبت في عروقه بوادر الثورة ونوازع التمرد على ناديه الحالي، لم يعد يطيق البقاء هناك، ليس بمقدوره أن يطيل المقام بين جنبات ملعب “حديقة الأمراء”.
لقد شعر بأنه أخطأ العنوان، أحسّ بالندم، تملكته الرغبة الشديدة في العودة إلى الوراء، ربما لو كان الأمر بيده لأعاد كتابة التاريخ ورفض الانصياع لإغراءات الفريق الباريسي وبقي في ظل ميسي مع برشلونة.
لقد صبر نيمار قليلا، صبر لموسمين متتاليين، لم يحصد خلالهما سوى المشاكل والإصابات، الأولى حصلت الموسم قبل الماضي وكادت تعصف بمستقبله الكروي، وكانت مشاركته في المونديال الأخير محل شك.
والثانية ساهمت في ابتعاده عن الملاعب لفترة طويلة خلال الموسم المنقضي، وكانت من بين الأسباب التي حرمته من مشاركة زملائه في منتخب “السامبا” فرحة التتويج بلقب “كوبا أميركا” الأخيرة.
لقد ذهب نيمار إلى عاصمة الأنوار، ليس طمعا في مجد جديد والقيام بمعجزات كروية، ربما كان التتويج أوروبيا وعالميا مجرد حلم ثان، فالهدف الأول كان بلا شك الحصول على امتيازات مالية كبيرة للغاية، امتيازات تجعله اللاعب الأغلى في التاريخ.
ربما من حقه أن يحلم بأن يحظى بهذه المكانة، فهو يعتبر نفسه ثالث أساطير هذا الزمان بعد ميسي ورونالدو، لقد اعتقد في بادئ الأمر أنه يستحق كل “كنوز الدنيا” كي يثبت جدارته بأن يكون ضمن زمرة نجوم الصف الأول.
اندفع دون تفكير وبلا تردد، قبل العرض الباريسي، راح يتنطط متناسيا كل ما فعله مع ميسي وسواريز في برشلونة. تغافل عن كونه بات “أيقونة” صلب الفريق الكتالوني، لقد “أعمى” بصيرته العرض المالي المغري للغاية من قبل باريس سان جيرمان، ولا نخال أن أي لاعب قد يرفض التحول لفريق مستعد لدفع ما يناهز 220 مليون يورو للتعاقد معه. أما اليوم يبدو أن نيمار ثاب إلى رشده وأراد إصلاح خطئه، ربما أدرك “أنك لن تقدر أبدا على شراء السعادة والطمأنينة حتى وإن اكتسبت مال الدنيا برمته”.
ربما أيقن أن التألق الحق في كرة القدم لا يرتكز بالمرة على المبلغ الذي يدفع لأجل أي لاعب مهما علا شأنه، فاللاعب العبقري والموهوب والفذ والذي يدخل التاريخ من بابه الكبير لا يقدّر بأي ثمن.
لنتأمل ماذا فعل نيمار مع باريس سان جيرمان الذي استقدمه بمبلغ خرافي، وماذا فعل صلاح أو ماني أو فان ديك مثلا مع ليفربول، رغم أن التعاقد مع هذا الثلاثي لا يتجاوز تقريبا ما دفع من أجل النجم البرازيلي؟
نيمار حصد بطولة دوري محلي يتيم، أما لاعبو ليفربول فتوجوا بلقب دوري الأبطال، وسيشاركون قبل نهاية العام في كأس العالم للأندية، وسيواصلون حلمهم بكل شغف من أجل نيل ألقاب جديدة في الموسم المقبل.
أما نيمار، ما عساه يفعل؟ هل يقنع بعيشته الهانئة الرغيدة ماليا ويكتفي بالنزر القليل من الألقاب المحلية، أم يتطلع لتغيير واقعه وبدء تغيير مبادئه ورؤيته للحياة؟
أخيرا أدرك نيمار أن المقام في عاصمة الأنوار مهما كانت الأضواء لامعة وبراقة يجب ألاّ يطول، لقد فهم أن اللعب مع الفريق الباريسي ليس سوى محطة عبور إما تعيده إلى محطة سابقة وإما تحيله إلى واقع جديد.
يبدو أن هذا اللاعب أعاد توزيع أوراقه وترتيب أفكاره، ترك كل الأموال جانبا، وفكّر مليا، قبل أن يتساءل ماذا يمكن أن تقدم له التجربة الباريسية رياضيا؟
بحث في التاريخ وجد أن بعضا ممن سبقوه أيقنوا أن باريس سان جيرمان ليس سوى محطة عبور، محطة لا توفّر المتعة الحقيقية والسعادة الأبدية.
ربما كان ما فعله النجم السويدي زلاتان إبراهيموفتيش يؤكد كل هذه التخمينات والهواجس، فالسلطان ترك المكان وبحث عن لذة كرة القدم، فغيّر مساره وهو في قمة تألقه وتوهجه مع الفريق الباريسي لينتقل إلى مانشستر يونايتد الإنكليزي.
ويبدو أن ما فعله مواطنه داني ألفيس الذي قرّر إنهاء تجربته الفرنسية مع نهاية الموسم المنقضي، وكذلك الحارس الإيطالي جانلويجي بوفون الذي عاد إلى ناديه السابق يوفنتوس، ربما دفع نيمار إلى اتخاذ قرار مشابه.
إذا فيلكن العصيان والتمرد، فهو طريق أسلم، طريق قد يؤدي في النهاية إلى الصواب والراحة.. وقصة نيمار ربما تبدأ اليوم، ستبدأ فعليا عندما يستوعب الدرس ويعي أن تلك السعادة الكروية لا تنبني إلاّ عبر الإنجازات الخالدة، عليه أن يعلم أن كل أموال الدنيا لن تكون كافية لشراء المجد والطمأنينة.
كاتب صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)