ardanlendeelitkufaruessvtr

غرام بلا انتقام

غرام بلا انتقام
عدلي صادق
لما تنسّم الإسبان نسائم الحرية، كان التسامح يظلل حياتهم، وعاش المغاربة في إسبانيا في غرام بلا انتقام، بينما بقايا المستعمرات الإسبانية لا تزال في بلادهم!
في ساحة "بويرتا دي سول" معالم ومحطات تاريخ طويل
في قلب مدريد، وحيثما تزدحم ساحة بوابة الشمس “سول” برمزيات التاريخ الإسباني، ترى كل ما في الأرجاء، ينم عن عودة إسبانيا إلى ألقها، بعد موت الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو الذي حكم البلاد منذ العام 1939 حتى وفاته في العام 1975. كان فرانكو قد خاض حربا أهلية دموية أودت بحياة مئة ألف إسباني. ولم يكن سوى الموت الذي يُنهي حكمه. وفي ساحة الشمس أو بوابتها “بويرتا دي سول” يتأمل الناس معالم ومحطات تاريخ طويل، استطاع فيه الإسبان، بما لديهم من نزوع فطري إلى رغد الحياة والتسامح، جعل تأملهم لكل ما يجسد وقائع الماضي الأليم، قرين العبرة، ومهمازاً للانطلاق إلى المستقبل. فمن بين المعالم في الساحة، يتبدى التمثال البرونزي للدب الذي يعلو لكي يصل إلى أعلى شجرة التوت، لكي يستطيب بثمرها. فلا شيء يشغل الإسبان أكثر من المثابرة على العلم والعمل، وقدمت الدولة لهم، شبكة مواصلات عصرية تسري في المدينة، أنيقة ورشيقة، مع بُنية تحتية رصينة تحتوي البلاد بأسرها.
إخواننا المغاربة، الذين يمثلون الغالبية العربية في المدينة، معذورون لدى إسبان اليوم على ما فعل أسلافهم في الحرب الأهلية. والمغاربة بدورهم يعذرون على ما فعل إسبان الأمس ببلادهم!
 في القرن العشرين، نشأ المثال الأول، للواقع الذي تكون فيه الجمهوريات أقسى على الشعب من الملكيات: ألفونسو الثالث عشر لا يصُم أذنيه عن مطالب جزء من الشعب، بإلغاء الملكية وإقامة حكم جمهوري. يدعو إلى انتخابات في العام 1931 فيفوز فيها الجمهوريون، لكن الملك لا يتخلى عن عرشه تماماً وإنما يستعد للتخلي عن كثير من سلطاته، فيرفع عنه الجيش الإسباني الحماية، ويغادر إلى روما. غير أن نعيم الجمهورية في أحلام الشعب ينقلب إلى كابوس. الجمهوريون يستبدون، ويخنقون الحريات، ويضيّقون الخناق على الكنائس، ولما بدأوا يحرقونها، هبّ فرانكو، الضابط المميز في الجيش؛ لكي ينقذ البلاد ممن سماهم الملاحدة، وكان هو الآخر مثالا في التاريخ، للمنقذ الذي سيحتاج الناس إلى من ينقذهم من بطشه!
لم يكن فرانكو سيفلح، بغير جيش من المغاربة، من شعبٍ كان ضحيته أصلاً. خمسون ألفا من الضباط والجنود المسلمين، يخوضون الغمار معه، ويختار منهم رئيس أركانه محمد مزيان، وينتصر وينجز انقلابه على من يحكمون. ظل يحكم حتى الموت، ولما تنسّم الإسبان نسائم الحرية، كان التسامح يظلل حياتهم، وعاش المغاربة في إسبانيا في غرام بلا انتقام، بينما بقايا المستعمرات الإسبانية لا تزال في بلادهم!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)