ardanlendeelitkufaruessvtr

تركيا وأزمة البناء

تركيا وأزمة البناء
نسرين ناس
عقلية السلطة الحالية تتجاهل حقيقة أن الأزمات التي تعمَّقت جراء خطواتها الهوجاء في جميع المجالات؛ بدءا من دحض مفهوم الدولة إلى الاقتصاد، ومن الهيكل السياسي إلى السلام الاجتماعي والسياسة الخارجية، قد تحوَّلت إلى إعصار يدمر الدولة بأسرها.
أزمة بناء كبيرة للغاية
باتت آثار القلق العميق والخوف أكثر وضوحا في كلمات السلطة الحاكمة في تركيا وأفعالها، بعد أن راحت تقطع ما تبقَّى من علاقاتها مع العقل والقانون، ومع ما تبقى من دول العالم، الواحدة تلو الأخرى. ربما أنهم لا يرون أنفسهم، لكن العالم كله يرى أنهم يصارعون عبثا لطمس الحقيقة، بل لا أبالغ إذا قلتُ إنهم يحاربون الحقيقة نفسها خشية فقدان أصوات مؤيديهم.
إنهم لا يريدون أن يقبلوا حقيقة أن كل من يدحض الحق، وينتهك العدالة والتعددية، لا بد أن يفقد تفوقه الأخلاقي، وأن الذين يفقدون تفوقهم الأخلاقي لا بد أنهم سيفقدون الكتلة المؤيدة لهم بطبيعة الحال. إنهم لا يتعلمون من التاريخ، ولا مما عاشته دول أخرى مجاورة.
كانوا يأملون أن تكون الصورة التي التقطت مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أوساكا باليابان نبراسًا يعالج المشكلات التي تعاني منها تركيا؛ سواء على مستوى السياسة الداخلية والأزمة الاقتصادية الحالية أو على مستوى السياسة الخارجية، بدايةً من إدلب وأزمة منظومة صواريخ إس-400 الدفاعية الروسية، وصولًا إلى المأزق التركي في ليبيا، ولكن ما حدث هو أنهم كانوا يُقطِّعون علاقتهم بالواقع من جديد.
ومع هذا يبدو أن هناك عددا قليلا ممن يعرفون كيف تُدار الأمور داخل الإدارة الأميركية. وهؤلاء الأشخاص يرون أن العقوبات الأميركية على تركيا آتية لا محالة، إن لم يكن اليوم فغدا، وأن تركيا مُقبلة على أزمة جديدة قد تؤثر على وضعها داخل حلف شمال الأطلسي وأسواق المال العالمية، كما أننا سنواجه مشكلة أخرى بعد ذلك تتعلق بالاعتماد على روسيا أو لنقل بالتبعية لها.
أضف إلى هذا أيضا، أننا عندما ننظر إلى ما يصدر عن المتحدث باسم الرئيس، ووسائل الإعلام من وزارة الخارجية، من بيانات متناقضة من قبيل “اشترينا، سنشتري، سننشرها ولكن لن نشغلها، سننشرها ونُشغلها”، فلا بد أن نخرج بنتيجة واحدة، وهي أن تركيا إنما اتخذت قرار شراء منظومة صواريخ إس-400  الدفاعية الروسية خوفًا من روسيا وإرضاء لفلاديمير بوتين.
ومع ذلك فإن عقلية السلطة الحالية، التي تتجاهل حقيقة أن الأزمات التي تعمَّقت جراء خطواتها الهوجاء في جميع المجالات؛ بدءا من دحض مفهوم الدولة إلى الاقتصاد، ومن الهيكل السياسي إلى السلام الاجتماعي والسياسة الخارجية، قد تحوَّلت إلى إعصار يدمر الدولة بأسرها، ويحولها إلى مكان خرب لا يصلح لشيء. وعلى الرغم من كل هذا، فهي مع الأسف، لا تزال تعتقد أن كل شيء يتم بالشكل الصحيح، وتتمسك برأيها الذي يجافي المنطق في التمسك بنظام دفاعي سيرصد طائراتنا نفسها باعتبارها طائرات “معادية”. ولم يكتف هذا النظام بشراء منظومة إس-400 الصاروخية التي دفع لروسيا، مقابل الحصول عليها، 2.5 مليار دولار، فيما يشبه الجزية، حتى تسمح له الأخيرة بالبقاء في المناطق التي يسيطر عليها بمساعدة الجماعات الجهادية، وأن تصبح له كلمة في الحديث عن مستقبل هذا البلد والأكراد السوريين، ضاربا بالقانون الدولي عرض الحائط.
وفي محاولتها لتخطي الأزمة الراهنة، تحملت هذه السلطة، بسياستها ضيقة الأفق، التزامات جديدة ستُثقل كاهل الاقتصاد الهش بعشرات المليارات، وستجر تركيا إلى مرحلة أكثر سوءا قد تعجز خلالها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه ديونها الخارجية.
ومع تدهور البنية التحتية للإنتاج المرتبطة بواردات البلاد من السلع الوسيطة والاستثمارية والنمو على أساس إجمالي الطلب، ونشر البيانات الاقتصادية الموجهة من قبل الحكومة والميزانية غير الشفافة، لم يعد هناك الكثيرون الذين يقولون “إن الأمور تسير على ما يرام”.
ويجري النقاش بشكل علني عن مدى قدرة تركيا على سداد ديونها الخارجية في أسواق المال العالمية، بعد أن ارتفعت ديون تركيا الخارجية، خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط، إلى 40 مليار دولار؛ لتتخطى بذلك 453 مليارا. كان الدين الخارجي يمثل، قبل ثلاث سنوات، 48.7 بالمئة من إجمالي الدخل القومي لتركيا، أما اليوم ومع تراجع الدخل القومي، اقترب الدين الخارجي من 61 بالمئة من الدخل القومي لتركيا.
لم يعد أمام الدولة حل آخر سوى الاستمرار في الاقتراض من أجل دفع أجور الموظفين والمتقاعدين ودفع الفائدة على القروض التي سبق اقتراضها، ناهيك عن شراء استثمارات جديدة أو طائرات وصواريخ دفاعية.
التحدي الحقيقي هو بالداخل؛ لأن السلطة لا تزال تتمسك بحزم بسياسة الإنكار في كل تحركاتها في الداخل والخارج، ولم تكتفِ الحكومة بتجاهل المشكلات الموجودة بالفعل، بل راحت تؤكد أن جميع المؤشرات الاقتصادية آخذة في التحسن، وأن علاقاتنا الخارجية من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي عادت إلى مسارها الطبيعي، وإن لم يمنع هذا رجب طيب أردوغان من التأكيد، بين الحين والآخر، على أن القوى الخارجية تريد تدميرنا.
تحولت تركيا إلى دولة يصعب التكهن بما يدور فيها؛ بسياستها وميزانيتها. فعلى سبيل المثال، عندما يكون الشخص الذي يدير الاقتصاد هو نفسه الذي يقيم أداءه، فمن المؤكد أن أمرا كهذا سيقلل الثقة في البيانات الصادرة عنه، كما أن اتّباع النهج الذي يقوم على السيطرة على كل شيء وتغيير الحقائق لا بد أن يؤدي إلى انتهاك أبسط مبادئ كسب الثقة، وبالتالي كان من الطبيعي أن يسيطر على مؤسسة الإحصاء التركية، التي من المفترض أنها هيئة مستقلة، وترتبط فيما يصدر عنها من بيانات بوزارة الاقتصاد. وهذا يخلق مشكلة كبيرة أخرى باتجاه ضياع الثقة فيما يصدر عنها من بيانات.
ومن ناحية أخرى، تستولي السلطة الحالية تدريجيا على احتياطيات البنك المركزي، التي يفترض ألا تمتد إليها يد إلا في الأوقات الحرجة؛ ففي حين بلغ العجز النقدي في الخزانة 38 مليار ليرة في الأشهر الستة الأولى من العام السابق، وجدنا أن هذا العدد قد قفز إلى 78 مليار ليرة في الأشهر الستة الأولى من هذا العام.
ومع تعمُّق الأزمة الاقتصادية تدريجيًا، عمد أردوغان إلى التوجيه بإعادة انتخابات إسطنبول، التي جرت في 31 مارس، وخسر فيها مرشح الحزب الحاكم بفارق ضئيل. وبعد شهرين ونصف الشهر مُنِي شُركاء الحزب الحاكم بهزيمة ثقيلة للغاية. وبدلًا من أن تُركز الخطابات والتصريحات التي صدرت، من قبل أردوغان أو من قبل دولت بهجلي، على مواجهة أسباب هذه الأزمة، أعطت الأولوية للحديث عن كيفية تعويض الخسارة في المستقبل.
بدأ الفصل الأول لمسرحية استعراض القوة بطرد محافظ البنك المركزي من وظيفته بالمخالفة للقانون؛ لأن فكرة “كلما كانت خطواتك لاعقلانية، فحينها يصعب التنبؤ بتصرفاتك. وكلما كان من الصعب التنبؤ بتصرفاتك، فإنك ستعوِّض ما فقدته من السلطة بالحفاظ على المخاوف حية” من شأنها إعاقة حدوث تغيير في شكل الأزمة الراهنة من ناحية، وإعادة طرح الإصدار الجديد لفكرة “سعر الفائدة سبب ارتفاع التضخم” في الأسواق من ناحية أخرى. ومع ذلك، فالفارق الكبير بين سعر المُنتِج وسعر المُستهلك يدل على أن الركود سيستمر في المستقبل بشكل مستقل عن سعر الفائدة؛ حيث تكمن الأسباب الهيكلية للأزمة في ارتفاع الدين الخارجي، وارتفاع تكلفة الإنتاج، الذي يرتبط، في الأساس، بسعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية، ومشكلة التصنيع المُشوَّه الذي يعتمد في الأساس على الاستيراد من الخارج.
إنهم يريدون من الشعب ألا يربط بين السياسة وأية مشكلة أخرى؛ بدءا من أولويات الاقتصاد إلى السياسة الخارجية والمطالب المجتمعية، وأن يضع درع “السرمدية” على النظام الرئاسي، الذي جانبه الصواب منذ بداية التخطيط له حتى الآن؛ فالجميع يدور في حلقة مفرغة تُحكم حصارها على السلام الاجتماعي والعدالة والنمو الاقتصادي وجميع عمليات صُنع القرار والعلاقات مع العالم الخارجي.
وعلى الجهة الأخرى، تقع على المعارضة مسؤولية كسر هذه الحلقة المفرغة، وفتح مجال فسيح للسياسة من خلال تكوين تحالف مجتمعي يعلو فوق الهويات المختلفة. ومن ثم فإن أحزاب المعارضة ملزمة بأن تُبصر ما يُبصره المجتمع وأن تبذل جهدها لأجل تعزيز الروابط لبناء تركيا جديدة ديمقراطية تعددية، دون الوقوع في فخ “القضية القومية”، الذي يتذرع به النظام الحاكم.
نعم، أزمتنا أزمة بناء كبيرة للغاية؛ إذ لم يعط ما يقرب من 5 ملايين شخص صوتهم لصالح أكرم إمام أوغلو في إسطنبول، انطلاقا من أيديولوجيا سياسية خاصة، أو لمجرد الحاجة إلى انتخاب رئيس جديد لبلدية إسطنبول فقط، وإنما منحوا أصواتهم لإفساح المجال أمام لاعبين جدد؛ أملا في أن يجدوا حلا لهذه الأزمة الهيكلية التي تمنعهم من النظر إلى المستقبل بثقة.
وقد سجلت غالبية الناخبين اعتراضها على النظام الحالي بالتصويت للجبهة المقابلة، لكننا ربما نكون مخطئين إذا قرأنا هذا الاعتراض، بوصفه اعتراضا على أردوغان أو حزب العدالة والتنمية، بقدر كونه تعبيرا عن اعتراض على وضع نعيشه، يشمل السياسة والاقتصاد والتعليم والنسيج الثقافي في الدولة، لا تستطيع السلطة الحالية بعقليتها ونمط إدارتها التغلب عليه.
إن أول ما يجب علينا فعله الآن هو أن نحدد مبادئ هذا الاعتراض وأهدافه، وأن نحوِّله إلى برنامج حل مشترك. وهذا يقتضي أن نبادر باتخاذ موقف مُوحَّد تجاه الضغوط التي تمارسها السلطة على الإدارات المحلية، وأن نعمل على خلق سياسة ديمقراطية جديدة.
لذلك لا ينبغي أن تكون أولوية أحزاب المعارضة محاصرة الحزب الحاكم، وإنما عليها أن تبذل جهدها من أجل توسيع المجال الديمقراطي الذي ستتدفق من خلاله المعارضة المجتمعية لتقوم بواجبها نحو التقدم خطوات في اتجاه إعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي.
باحثة في الشؤون التركية

قيم الموضوع
(0 أصوات)