ardanlendeelitkufaruessvtr

بطولة مكافأتها خمسون جنيها

بقلم هيثم الزبيدي تموز/يوليو 17, 2019 92

بطولة مكافأتها خمسون جنيها
هيثم الزبيدي
اليوم هناك سباق لتكريم تورينغ يتجاوز العفو الملكي عنه (يسمونه عفوا بأثر رجعي عن الأموات) وعن 50 ألف من أمثاله. عدا الكتب والبرامج التلفزيونية والطوابع، قررت بريطانيا أن تكون صورته على عملتها الجديدة من فئة 50 جنيها.
شخصية تستثير خيال أمة مأزومة تعاني من انفصامات متعددة في الشخصية
بماذا تكافئ من ربح لك الحرب العالمية الثانية؟ بماذا تكافئ المبتكر الذي صنع أول كمبيوتر إلكتروني في العالم؟ بماذا تكافئ عالما وضع الأساس النظري لثورة الذكاء الاصطناعي التي نشهدها حاليا؟
للأول نغدق عليه الأوسمة ويقف على منصة الاحتفال بالنصر. للثاني نعطيه ربما ترليون دولار هدية لما أنجزه للبشرية. للثالث نترك للذكاء الاصطناعي القرار.
الثلاثة هم شخص واحد اسمه آلان تورينغ. يعرفه البعض من خلال فيلم “لعبة التقليد” الذي صور حياته وعرض قبل بضعة أعوام. الفيلم كان مثيرا. لكن حياة تورينغ كانت شيئا آخر.
البعض يقول إن الفريق الذي قاده تورينغ خلال الحرب العالمية الثانية واستطاع فك شفرة الاتصالات للقوات الألمانية، لم يقصّر عمر الحرب سنوات فقط، بل هو السبب بربحها بالأصل. القوات الألمانية كانت تعتمد آلة تشفير للمراسلات اسمها “أنيغما/الأحجية” وكانت تظن إلى آخر يوم في الحرب أنها محصنة من الاختراق. لكن البريطانيين كانوا قد فكوا الشفرة وأصبح الألمان أمامهم كالكتاب المفتوح، يقرأون كل تحركاتهم العسكرية ويضعون الخطط المضادة. سر فك الشفرة كان السر الأكبر في الحرب لدرجة أن البريطانيين لم يطلعوا عليه الحليف الأميركي، ولم يعلن عن الموضوع إلا بعد عقود لأن الألمان كانوا قد باعوا أنيغما للكثير من الدول التي وزعتها على سفاراتها. كان العالم بأسراره كتابا مفتوحا للبريطانيين.
ماذا كانت حصة تورينغ من النصر؟ لا شيء. كان “قانون السرية المطلقة” يحكم إنجازه الكبير ولم يطلع كل من عاصروه تقريبا على ما حققه. الأوسمة ذهبت لغيره.
بعد الحرب بنى تورينغ أول كمبيوتر إلكتروني في العالم يشتغل وفق برنامج مسبق. كان هناك كمبيوترات ميكانيكية، لكن الكمبيوتر الإلكتروني، كما نعرف كلنا الآن، شيء آخر. أنه الأداة التي لا تؤدي مهمة واحدة بل تؤدي برنامجا يغيّر المهام وفق الحاجة. عندما اشتغل الكمبيوتر في جامعة مانشيستر، كتبت الصحافة عن ولادة “العقل الإلكتروني”، وهو مصطلح جدلي في ذلك الوقت لا يزال مستخدما، لكنه بوحي غير مباشر كان يبشّر لإنجاز تورينغ الآخر وهو أساس الذكاء الاصطناعي.
تورينغ المنطوي والخجول، لم يأخذ حصته من الشهرة بالإنجاز الكمبيوتري بتاتا، لأنه كان أيضا من المغضوب عليهم. راقبته أجهزة الأمن لأنهم كانوا يشكون بأنه شيوعي لأنه غريب الأطوار. ثم اكتشفت الشرطة جانبا خفيا من حياته وأنه كان مثليا. ولأن المثلية كانت جريمة في حينها، فأنه تم خصيه كيميائيا وهو الأمر الذي دفعه إلى الانتحار بعد سنتين بجرعة من سم السيانيد.
بقي ملف تورينغ مطويا، لحين رفعت السرية عنه ليكتشف العالم حقيقة حياته وما قدمه وكيف عاملته بريطانيا.
الأسرار هي صنعة البريطانيين. وهم يختارون ما يكشف عنها ومتى. والآن صار من مصلحتهم الكشف عن هذه الشخصية المثيرة. هي شخصية تستثير خيال أمة مأزومة تعاني من انفصامات متعددة في الشخصية.
اليوم هناك سباق لتكريم تورينغ يتجاوز العفو الملكي عنه (يسمونه عفوا بأثر رجعي عن الأموات) وعن 50 ألف من أمثاله. عدا الكتب والبرامج التلفزيونية والطوابع، قررت بريطانيا أن تكون صورته على عملتها الجديدة من فئة 50 جنيها.
مات مجهولا منبوذا. لكن تورينغ اليوم في كل مكان، في الكمبيوتر الذي أمامك وفي الذكاء الاصطناعي الذي يوجه هاتفك… والآن في محفظتك. إنها مفارقات الأقدار.
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)