ardanlendeelitkufaruessvtr

حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب

بقلم مختار الدبابي تموز/يوليو 17, 2019 98

حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب
مختار الدبابي
المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.
هل يرضخ جمهور النهضة للعبة
لم يمض على النشاط العلني لحركة النهضة أكثر من ثماني سنوات حتى طالتها تغيرات نوعية، وهو أمر كان متوقعا، فالإسلاميون تقويهم المظلومية والمطاردة الأمنية، لكن العلنية تربكهم، وها هي الآن تقودهم إلى انقسامات وحرب مواقع تخرج ولأول مرة إلى العلن.
والسبب أنهم وجدوا أنفسهم حزبا يصارع على السلطة، ويقاتل أفراده ليحصلوا على مواقع متقدمة في البرلمان ومؤسسات الدولة، تمكنهم من استعادة الوجاهة والنفوذ. انتهى الحزب الرباني الذي يصدع الرؤوس بشعار الإسلام هو الحل، وتطبيق الشريعة، وإشاعة القيم الإسلامية في المجتمع، إلى حزب مدني يصارع داخله لأجل السلطة.
وإذا كانت الجماعة قد نجحت في تطويق عاصفة المؤتمر العاشر بسبب التطورات السياسية التي كانت تضع حركة النهضة على صفيح ساخن بعد موجة الاغتيالات، فإن الخلافات في زمن السلم والدعة والمقار الفخمة لم تستطع أن تخنقها لا باسم الدين ولا باسم الإخوة، وخرجت إلى العلن تصريحات قوية لقيادات مهمة ونوعية مثل عبداللطيف المكي الذي يوصف بأنه قائد تيار المعارضة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وكذلك عبدالحميد الجلاصي، وهو أحد مهندسي عودة النهضة إلى النشاط السري في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأيضا سمير ديلو، الوزير السابق في الترويكا، الذي قال إنه يشعر بالاختناق ويفكر جديا في الاعتزال.
وقصة هذه الثورة العاصفة أن الحركة أجرت انتخابات داخلية لتصعيد مرشحيها في الانتخابات التشريعية بشكل ديمقراطي وحر، لكن جاء المكتب التنفيذي، أي ذراع الغنوشي الذي اختاره بنفسه بعد أن تحدى رغبة مجلس الشورى في أن يتم تصعيده بالانتخاب، وهدد بالاستقالة في حادثة مشهورة، ورمى بنتائج الانتخابات عرض الحائط وأعاد تشكيلها، ووضع رؤساء قوائم تتماشى مع توجه الغنوشي في الانفتاح على كفاءات من خارج التنظيم، وخاصة من الكفاءات النسوية والحرص على أن يكنّ غير محجبات.
وبعد أن صعد الجلاصي والمكي في مواقع متقدمة بقوائم الحركة بتونس العاصمة، جاء التنفيذي وأرسل الأول إلى محافظة نابل، والثاني إلى محافظة الكاف ليترأسا قوائم هناك، في تحد لإرادة الناخبين بالعاصمة والكاف ونابل، وهو ما رفضه الجلاصي والمكي معلنين أنهما لن يترشحا للانتخابات، والأمر نفسه لأسماء أخرى غير معروفة إعلاميا تم انتخابها ثم جاء التنفيذي وأزاحها تماما مثل النائبة الحالية عن سيدي بوزيد حياة عمري، وهي شخصية ذات وزن في محافظتها خاصة بسبب درجتها العلمية وإشعاعها الخارجي في المؤتمرات ذات الاختصاص.
وأيا كانت التفاصيل وردود الفعل الغاضبة، فإن أهم ما يمكن استنتاجه أن الحركة التي باتت بمثابة الغول في المشهد السياسي، ويكافح الجميع لاسترضائها والتحالف معها، ستتحول بالتدريج إلى حزب شبيه بنداء تونس، وستخرج عنه استقالات قد تكون في البداية محتشمة ويلجأ أصحابها إلى التكتم، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة خاصة بسبب الحضور الطاغي للإسلاميين على مواقع التواصل، حيث تشتعل التسريبات والردود وأنباء الاستقالات.
وما يجري كان متوقعا، لأن حركة النهضة منذ بدايتها تكونت كتنظيم براغماتي يراوح بين هويات مختلفة ومتناقضة، محلية زيتونية، وخارجية إخوانية، وسرعان ما يتم التبرؤ من تلك الهويات مع أول ضغط.
والمعركة الحالية ستكون فاصلة، فهي معركة بين المتمسكين بالجماعة، وبين الغنوشي الذي يحفر بعمق وبسرعة لتقويض الهوية القديمة، والتخلص من رموزها بأشكال مختلفة، مثل إحالة “أمراء” سابقين للحركة كالصادق شورو والحبيب اللوز إلى الدعوي، وقد وضعهم بشكل فعلي في الثلاجة، ولم يعد لهم ظهور إعلامي أو حركي فما بالك بالتأثير، ما يفتح الطريق أمام سيطرة تامة للرجل الأول الذي قرر أخيرا الترشح للبرلمان، ولا يعرف إن كانت مناورة داخلية أم أن الرجل يريد أن يخرج إلى الأضواء بشكل أكبر، إذ قد يحصل على رئاسة البرلمان في سياق توافقات مستقبلية مع حزب الشاهد، أو مجموعة أحزاب أخرى.
وما يلاحظ بشكل جلي أن ماكنة الغنوشي تريد أن تتخلص من الوجوه القديمة، وأن تجلب وجوها بلا ماض ولا سوابق، وقادرة على اختراق المجتمع والتموقع في المسؤوليات دون شكوك حولها، ولذلك تقول تسريبات إن رهان رئيس حركة النهضة منصب بدرجة أولى على ضم شخصيات عامة إلى قوائم الحركة، بينها رياضيون وفنانون، وتكنوقراط من أبناء شخصيات ذات وزن كرجال الأعمال ورؤساء الجمعيات الرياضية، مثل مرشحة النهضة لقيادة بلدية باردو في قلب العاصمة، وهي ابنة رئيس جمعية رياضية ذات شعبية في المنطقة، ما سهل لمرشحة النهضة الفوز وفتح أمامها الطريق لرئاسة البلدية، تماما مثل سابقتها التي كانت عضوا في اللجنة المركزية للتجمع المنحل ثم التحقت بالنهضة.
ولا يخفي مقربون من “النهضة الجديدة”، التي يركبها الغنوشي، تأكيدهم أن استعادة خطاب المظلومية والتغني بالماضي لم يعودا يقنعان أحدا في الشارع التونسي، الذي يحتاج إلى اختراق عبر استقطاب عناصر اجتماعية ناجحة وتقريبها من الحركة ثم ترشيحها ودعمها بقوة للفوز، ما يسمح بكسب جمهور جديد مغاير للجمهور القديم الذي فات وقته، وبدأت رموزه تلوح بانتفاضة علنية في وجه “الشيخ” الغنوشي.
يراهن رئيس حركة النهضة على أن موجة الاحتجاج ستنتهي حين يغلق ملف النقاش حول المرشحين، وتصبح القائمات أمرا واقعا، ومثلما حصل بعد المؤتمر العاشر، فإن الضجة مرت سريعا، ثم تحولت إلى نقاشات لتبرئة الذمة على مواقع التواصل، إلى أن سكتت تماما.
لكن هل ستنتهي انتفاضة الديمقراطية الداخلية إلى القبول بالمربع الأول، مربع الشورى الذي يستمع فيه إلى “الكوادر” من باب النصيحة والمقترح ويأخذ ما يريد، أما العامة (المنخرطون والأعضاء والقيادات المحلية والوسطى) فتكفيهم الديمقراطية الشكلية يرشّحون ويترشحون ويتنافسون، ليأتي الشيخ ويعيد تشكيل القوائم حسب حساباته وعلاقاته وتعهداته لرجال أعمال ونافذين بوضع أبنائهم على قوائم النهضة، مقابل دعم معنوي داخل الدولة العميقة لتقبل بالحركة التي ما تزال صورتها مثيرة للريبة والتوجس برغم كل التنازلات.
أعتقد أن انتفاضة القوائم الانتخابية لن يخرج منها الغنوشي قويا مثلما دأب على ذلك في السابق، هذه المرة الصدمة كانت أقوى لأنه سلب خيار المنتخبين واستهان بالديمقراطية المحلية التي يتغنى بها النهضاويون ويزايدون بها، خاصة أن المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.
فهل يرضخ جمهور النهضة للعبة، وهل ينجح الغنوشي في إقناع أوساط الدولة العميقة بأنه تغير شخصيا وفي طريقه لبناء “نهضة” جديدة تكون تحت الطلب لإرضاء رجال الأعمال المحليين والشخصيات النافذة، وخاصة إرسال رسائل للغرب أن النهضة تتغير ومستعدة لتنازلات أكبر، المهم القبول بها.
كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)