ardanlendeelitkufaruessvtr

أس-400 يسقط أف-35 التركية

بقلم خيرالله خيرالله تموز/يوليو 21, 2019 187

أس-400 يسقط أف-35 التركية
خيرالله خيرالله
تركيا فضّلت الابتعاد عن الولايات المتحدة واعتبار نفسها في غنى عن حلف الأطلسي. هل هي قادرة على ممارسة دور جديد يريده أردوغان لبلده مع ما يترتب على مثل هذا الدور من نتائج؟
مغادرة الصف الأميركي ستكون مكلفة
لديه مشاكل كثيرة من بينها الارتجال والانفعال والشبق إلى السلطة وعدم معرفته بما تستطيع تركيا عمله وما لا تستطيع عمله وأين يجب أن تتوقّف. لم يسمع بالمثل القائل: رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، فوقف عنده.
لكنّ المشكلة الأكبر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان تتمثّل في رفضه التعلّم من أخطائه، أخطاء الماضي القريب جدّا. من هذا المنطلق، يبدو طبيعيا خروج تركيا من بين المساهمين في تطوير مشروع طائرة أف- 35 الأميركية، وهي طائرة المستقبل. فعل ذلك من أجل الحصول على شبكة صواريخ روسية مضادة للطائرات من طراز أس- 400.
ما الأهمّ بالنسبة إلى دولة مثل تركيا. البقاء على علاقة جيّدة مع الولايات المتحدة ولاعبا أساسيا في إطار الحلف الأطلسي (ناتو)… أو السقوط في الفخّ الروسي مع ما يعنيه ذلك من إسقاط الصواريخ الروسية أف –35 التركية؟
أسقطت مقاتلة تركية قاذفة روسية في تشرين الثاني – نوفمبر 2015 في الأجواء التركية أو السورية. ليس معروفا لماذا يصرّ أردوغان على دفع ثمن غال لذلك الخطأ الذي عرف فلاديمير بوتين كيف يردّ عليه بطرق مختلفة. شملت تلك الطرق حرمان تركيا من السياح الروس. أثّر ذلك كثيرا على الاقتصاد التركي، لكنّه لم يكن مبررا للاستسلام الكامل لموسكو والاعتقاد أنّه صار في استطاعة تركيا أن تكون في حلف الأطلسي ساعة تشاء وفي المعسكر الروسي عندما يناسبها ذلك.
كان مفترضا بأردوغان التفكير مرّتين قبل عقد صفقة أس–400 مع روسيا. هل المشاركة في مشروع طائرة أف –35 مجرّد حدث عادي أم لا؟ بالطبع إن تلك المشاركة ليست حدثا عاديا لدولة مثل تركيا، خصوصا بالنسبة إلى الصناعة العسكرية التركية التي كانت ستصبح شريكا في إنتاج الطائرة. فوق ذلك، كان طيارون أتراك يتدرّبون في الولايات المتحدة على أف- 35.
قررت إدارة دونالد ترامب إعادة هؤلاء إلى بلدهم قبل نهاية تموز – يوليو الجاري. فضّلت تركيا الابتعاد عن الولايات المتحدة واعتبار نفسها في غنى عن حلف الأطلسي. هل هي قادرة على ممارسة دور جديد يريده أردوغان لبلده مع ما يترتب على مثل هذا الدور من نتائج؟
مرّة أخرى، تبدو حسابات الرئيس التركي خاطئة. كان عليه التعلّم من درس عمره تسع سنوات عندما أراد تحويل نفسه إلى مدافع شرس عن القضيّة الفلسطينية عن طريق المزايدة على الفلسطينيين أنفسهم بشكل خاص والعرب عموما. انتهت مغامرة الرئيس التركي الفلسطينية بفشل كبير لتركيا بعدما منع الإسرائيليون بالقوّة وصول السفن التي أرسلها مع المواد الغذائية التي فيها إلى غزّة. عادت السفن من حيث أتت. على الرغم من كلّ ما حدث، لم يتعلّم أردوغان شيئا عن ضرورة التوقف عن ممارسة سياسة تقوم على الارتجال.
ما حصل بعد تلك المغامرة غير المحسوبة، التي كانت بمثابة بيع أوهام إلى الفلسطينيين، أن العلاقات تدهورت بين تركيا وإسرائيل. فقدت تركيا بعض النفوذ الذي كان يمكن أن تمارسه على حكومة بنيامين نتنياهو من أجل الحدّ من الحصار الذي هو في نهاية المطاف مصلحة مشتركة بين “حماس” وحكومة اليمين الإسرائيلي.
لم يستوعب أردوغان، المؤمن بأيديولوجيا الإخوان المسلمين، أنّ “حماس” التي يدعمها، إنّما تستفيد من الحصار الإسرائيلي كي تتحّكم أكثر بغزّة وأهلها، فيما تعمل إسرائيل على جعل الملثّم الذي ينتمي إلى “حماس” الصورة التي تريدها للفلسطيني في العالم. نجحت إسرائيل بفضل “حماس” في تحويل نفسها إلى ضحيّة للإرهاب في حين أنّها تمثّل الإرهاب الحقيقي، وهو إرهاب الدولة التي تؤمن بتكريس الاحتلال لأرض الغير.
انتهي الأمر بتحوّل أردوغان إلى مسيء للفلسطينيين وقضيتهم ومجرد مزايد آخر عليهم. هذا ما حدث بالفعل في العام 2010 عندما أرسل أردوغان أسطول مساعدات إلى غزّة مدّعيا أنّه يريد كسر الحصار الإسرائيلي الظالم على القطاع. لم يدر في خلده أنّ أفضل خدمة كان يمكن أن يؤديها إلى الفلسطينيين هو دعوة “حماس” إلى التعقّل والتوقف عن ممارسات لا تصبّ إلّا في مصلحة إسرائيل التي انسحبت من قطاع غزّة بالكامل صيف العام 2005.
ما ينطبق على الفلسطينيين، ينطبق إلى حدّ كبير على السوريين. صحيح أنّ تركيا وفّرت ملاذا وتسهيلات لمئات آلاف السوريين الذين نزحوا إليها ابتداء من العام 2011، لكنّ الصحيح أيضا أنّ الوعود التركية للسوريين بالسعي إلى تحريرهم من النظام الأقلّوي، نظام البراميل المتفجّرة، بقيت وعودا.
انتهى أردوغان حليفا لروسيا في سوريا أحيانا وحليفا لإيران في أحيان أخرى. لا وجود لسياسة تركية واضحة تجاه سوريا، لا لشيء سوى أن روسيا وإيران شريكان، كلّ على طريقته، في الحرب على الشعب السوري، وهي حرب مستمرّة منذ العام 2011.
استطاع الرئيس التركي تفويت كلّ الفرص التي كان يمكن أن تسمح لبلده بأن يكون لاعبا إقليميا. أضاع هذا الدور عن طريق الحلف غير المقدّس الذي أقامه مع إيران وعن طريق السعي إلى استرضاء الروسي. مثل هذه السياسة العرجاء لا تدل سوى على أمر واحد اسمه الضياع.
بمراهنته على إمكان الجمع بين طائرة أف–35 وصواريخ أس–400، أخذ أردوغان تركيا إلى مزيد من الضياع على الصعيدين الإقليمي والدولي. كيف يمكن تفسير كلّ هذه الأخطاء المتراكمة، التي زاد عددها منذ صار الرجل رئيسا للجمهورية وللحكومة في الوقت ذاته رافضا أن يكون لديه أي شريك في السلطة؟ يكمن التفسير الوحيد في أن أردوغان يرفض الاعتراف بأنه يمكن أن يخطئ وبأّن أهمّ ما يستطيع السياسي عمله هو الاستفادة من أخطائه بعد الإقرار بها طبعا.
الأكيد أن أردوغان استطاع إيصال تركيا إلى وضع لا تحسد عليه. من الواضح أنّ الرجل عنيد جدّا وأنّه مصرّ على التفرّد بالسلطة مستفيدا من امتلاكه قاعدة شعبية واسعة في الريف التركي. الأهمّ من ذلك كلّه، أنّه لا يعرف الكثير عمّا يدور في المنطقة والعالم. إنّه أسير الفكر العقيم للإخوان المسلمين. الفارق بينه وبين غيره من داعمي الإخوان في مصر وفلسطين وكلّ مكان آخر في المنطقة أنّه شخص أيديولوجي يؤمن بأنّ للفكر الذي صنعه حسن البنّا مستقبلا في حين أنّه فكر لا ينتمي سوى إلى كلّ ما له علاقة بالتخلّف.
من يفكّر مليّا في كيفية سقوط تركيا مع طياريها في مشروع أف–35 لا يمكن إلّا أن يطرح سؤالا بسيطا هو: تركيا إلى أين؟ الجواب بكلّ بساطة إنّ وضعها الداخلي سيزداد تدهورا ما دام أردوغان يعجز عن الاعتراف بأنّه أخطأ… أي عن الإقدام على تصرّف حضاري يدلّ، ولو لمرّة، على أنّه ليس مجرّد عضو في تنظيم الإخوان المسلمين لا أكثر…
إعلامي لبناني

قيم الموضوع
(0 أصوات)