ardanlendeelitkufaruessvtr

تاريخيّة الطعام الزائد

تاريخيّة الطعام الزائد
عدلي صادق
أن يكون للطعام الزائد، من موائد أمراء عرب مترفين، في القرن العاشر، كل هذه الحفاوة التاريخية، لمجرد أنّ فقراء البلاد الأقدمين قد استطابوا مذاقه، فهذا أمر يصعب تعليله وإن كان لا يصعب فهمه، عندما يظل في حدود الافتتان به طعاماً!
"البَيّية" طبق فالنسيا الشهير
في مدينة فالنسيا الإسبانية، تتخذ الدعوة إلى الغداء طابعا احتفاليا، لمجرد كونها في الهواء الطلق، على شاطئ البحر أو في حديقة عامة، أو عند حافة مسبح. ولن يكتمل طابعها الاحتفالي، دون الطبق الشعبي الأشهر في المدينة. ولأن لكل طبق شعبي تاريخ؛ فإن طبق فالنسيا ذو جذر عربي أو أندلسي، وحين يروي لك مواطن من فالنسيا، تاريخه، وأنت العربي، يُحيّرك الأمر، فلا تعرف إن كان الأولون الأقدمون، من أصحاب هذا المأكول، مذمومين أم محمودين فيما يُروى. إنه طبق الأرز الذي تلوّن بعصير الطماطم، المُحضّر بالخضروات أو البقوليات الخضراء، واللحوم أو الأسماك، مع الزعفران، وقد سُمي الطبق منذ أيام النطق المحلي القديم “البَيّية” وهي كلمة مأخوذة حصراً من كلمة “البقية” أي ما بقي زائداً من الطعام.
وجاء في الرواية، أن ملوك العرب الأندلسيين وأمراءهم، كانوا بعد تناول الطعام على موائدهم العامرة بشتى الأصناف؛ يتولى الخدم رفع البقايا الكثيرة الزائدة، فيخلطون ما يرفعون بعضه ببعض. الأرز الموشى بالزعفران، واللحم المتنوع، وأطباق الخضار والخرشوف وجراد البحر، وينقلونه إلى المطابخ، وعندئذٍ يؤمر الطهاة بتوزيع ذلك الخليط، على فقراء المدينة. وقيل في رواية أخرى، أن أحد الأمراء، تنبه إلى الشكل الجديد للطعام أثناء نقله مخلوطاً، فتذوقه واستطابه، وطلب أن يُعد مثله لمائدته!
إن كانت الرواية، تؤكد على سبب شغف الأمير بخليط “البقية” وهي أولاً وأخيراً بقاياه هو، وأيضاً إن كان الفقير قد التهم مضطراً، طعاما جاءه مخلوطا، ثم استطابه مع التكرار؛ فما الذي جعل الذاكرة الشعبية في فالنسيا، تختزن دواعي الاحتفاء بطبق “البَييّة” فتجعل إسبان المدينة، يفترشون الميادين والشوارع في المناسبات، ويوقدون النيران لطهي هذا الطبق في أجواء احتفالية؟. فلا يختلف اثنان، على كون الأهالي ينظرون إلى الحقبة الأندلسية، باعتبارها استعمارا لبلادهم، ومعلوم أن المستعمرين، تركوا بعض العادات وأنماط الحياة وأنواع الأشجار والألفاظ في اللغة المحكية، لدى شعوب مستعمراتهم فتعودت عليها، وأصبحت جزءا من حياتها وتقاليد عيشها ونطقها. وذلك كله بحكم التطبع الذي لم يكن لها خيار فيه. فهي في النهاية، لا تعتبره أمرا يستحق الاحتفاء في المناسبات الوطنية، وإضفاء نوع من الرمزية على شي منه!
أن يكون للطعام الزائد، من موائد أمراء عرب مترفين، في القرن العاشر، كل هذه الحفاوة التاريخية، لمجرد أنّ فقراء البلاد الأقدمين قد استطابوا مذاقه، فهذا أمر يصعب تعليله وإن كان لا يصعب فهمه، عندما يظل في حدود الافتتان به طعاماً!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)