ardanlendeelitkufaruessvtr

يكبر ويتذكّر

بقلم يمينة حمدي تموز/يوليو 21, 2019 70

يكبر ويتذكّر
يمينة حمدي
أبحاث علمية عديدة تؤكد أن استرجاع الذكريات المؤلمة يؤثر على بنية الدماغ.
لن يمحى شيء من الذاكرة
يردد الآباء العبارة المعهودة “تكبر وتنسى” على مسامع أبنائهم الصغار عندما يشبعونهم ضربا أو يواجهون حوادث مؤلمة في طفولتهم، لكن للأسف هذا المعتقد الراسخ والقول المتوارث بين الأجيال مخالف للحقائق العلمية وفيه الكثير من المغالطات، فالطفل يمتلك ذاكرة قوية، وعندما يتعلق الأمر بتذكر الأشياء المؤلمة والحزينة، فإن معظم الأطفال الأصحاء قادرون على تذكر أدق تفاصيل الذكريات القديمة، وخصوصا السيئة.
النسيان للذكريات التي وقعت في الطفولة أمر وارد في حياة جميع البشر، ويحتمل حدوثه لدى معظم الناس الذين عاشوا تلك الذكريات في السنين الثلاث أو الأربع الأولى من الحياة. لكن القابلية لنسيان الأحداث المؤلمة، ليست دائما أمرا واردا، خصوصا إذا تعرض الأطفال لأحداث مؤلمة في السنين اللاحقة من أعمارهم، وبعد أن بلغوا مرحلة نضوج وظيفة الذاكرة، وأصبحت لديهم القدرة على اختزان ذكريات الأحداث الشخصية.
وبيّنت بعض الأبحاث أن الأطفال بعد عمر 3 سنوات، يستطيعون تذكر الأحداث الهامة التي وقعت لهم خلال العام الماضي، ويرتفع معدل استرجاعهم للذكريات عندما يبلغون سن السابعة، حيث بإمكانهم تذكر ما يصل إلى 72 بالمئة من الأحداث نفسها التي كانوا يتذكرونها عندما كان عمرهم 3 سنوات. بينما في عمر 8 أو 9، فإن معظم الأطفال يمكن أن يتذكروا 35 بالمئة فقط من تجارب الحياة التي تمكنوا من وصفها بوضوح في سن الثالثة.
وهذا التغيّر في استحضار الأحداث يأتي من الطريقة التي تتشكل بها الذكريات كلما تقدم الأطفال في السن، لكن ما هو مؤكد أنّ الأطفال في عمر 7 سنوات قادرون على تخزين الذكريات بالوقت والمكان على نحو متزايد، وقد يسهل عليهم استرجاعها عند الكبر.
    استرجاع الذكريات المؤلمة، قد يترك آثارا عميقة ودائمة على نفسية الطفل وعلاقته بالآخرين ويؤثر على مستقبله المهني ويدمر علاقته الأسرية
ولعل أخطر الذكريات، تلك التي تنطوي على أحداث أو صدمات نفسية، فهذا النوع من الذكريات يظل مترسبا في الذاكرة، ويعيقهم على المضي قدما في الحياة، رغم أنهم قد تجاوزوا الماضي بسنوات طويلة وأصبحوا ربما يعيشون حياة آمنة ولم تعد حياتهم في خطر، ومع ذلك فإنهم سيظلون غير قادرين على التخلص من تلك الذكريات المؤلمة التي تتراءى لهم وتمنعهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
يرتبط الضرب والأشكال الأخرى للعقاب الجسدي القاسي منذ فترة طويلة بمشاكل الصحة العقلية لدى الأطفال، إلا الكثير من الآباء لا يعرفون شيئا عن كيفية تأثير تجارب الطفولة على سلوك البالغين.
وقد أولى معظم علماء النفس أهمية بالغة للأحداث السلبية، التي تخلفها الطفولة القاسية على نفسية الطفل، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، وهو اضطراب نفسي، يصاب به الأشخاص الذين مروا بأحداث مؤلمة أو مروعة، كالنزاعات والحروب والعنف الشديد والاعتداءات الجنسية، مع الأخذ بعين الاعتبار تصرفات الأمهات مع أطفالهن والعدوانية الموجودة بين الوالدين.
الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة كثيرا ما تداهمهم ذكريات هذه الأحداث الصادمة أثناء اليقظة وتطاردهم الكوابيس، وقد يشعرون، بالخوف والعجز أو الذعر بسبب التجارب المريرة التي عاشوها، وتطاردهم ذكريات ومشاهد وأفكار سوداوية، كلما تعرضوا لأشياء تذكرهم بالأحداث المؤلمة التي تعرضوا لها.
وتكمن مشكلة اضطراب ما بعد الصدمة، في كيفية معالجة الدماغ للذكريات. فمن المعروف أن الذكريات تختزن في منطقة الحصين بالدماغ، لكن إذا كانت تلك التجارب قاسية، فقد تستثير رد فعل المواجهة أو الفرار، ومن ثم ينشط الجزء المسؤول عن الخوف من الدماغ وهو منطقة لوزة الدماغ، وتظل الذكريات عالقة في هذه المنطقة من الدماغ ويتعذر محوها.
"الطفل أب الرجل" فرويدالكثير من الآباء لا يعرفون شيئا عن كيفية تأثير تجارب الطفولة على سلوك البالغين
وهناك أبحاث علمية عديدة تؤكد أن استرجاع الذكريات المؤلمة، يؤثر على بنية الدماغ، وقد يترك آثارا عميقة ودائمة على نفسية الطفل وعلاقته بالآخرين ويؤثر على مستقبله المهني ويدمر علاقته الأسرية والاجتماعية.
وقد لاحظ الخبراء أن الجزء الأيمن من لوزة الدماغ لدى جنود يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة كان أكبر بنسبة 6 بالمئة مقارنة بنظرائهم. ويرتبط الجزء الأيمن من لوزة الدماغ بالتحكم في الخوف ومقاومة مثيرات الحزن.
وترتبط تجارب الطفولة القاسية بنحو 46 بالمئة من السلوكيات العدائية بين الرجال ونحو 47 بالمئة منها بين النساء، وفق ما أكدت دراسة أميركية حديثة.
وقالت تريسي عفيفي، التي قادت فريق البحث وهي من جامعة مانيتوبا في كندا “أشارت البيانات منذ عقود إلى أن الضرب والعقاب الجسدي القاسي يرتبطان بنتائج سيئة سواء صحية أو اجتماعية، والأهم من ذلك أنه لم تظهر أي دراسات على الإطلاق أن الضرب مفيد للطفل”.
وطالبت عفيفي بالتوقف عن التفكير في الأبوة والأمومة من زاوية العقاب.. والتحول إلى نهج الأبوة الإيجابية لإرشاد الأطفال.
لعل أثمن هدية يمكن أن يقدمها الآباء لفلذات أكبادهم، هي التعامل معهم بهدوء وبرزانة، فهذه أفضل وسيلة لتهذيب سلوكهم، أما جميع طرق العقاب حتى الخفيفة منها فلن تجدي نفعا، بل على الأرجح أنها ستدمر صحتهم النفسية.
صحافية تونسية مقيمة في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)