ardanlendeelitkufaruessvtr

بلماضي يستحضر الماضي ليصنع الحاضر

بقلم مراد البرهومي تموز/يوليو 21, 2019 81

بلماضي يستحضر الماضي ليصنع الحاضر
مراد البرهومي
بلماضي نجح مثلما فعل في السابق كرمالي في شحذ همم اللاعبين، أتقن القيام بدوره في تحفيزهم، فجعلهم مثل {كتلة النار}، فكانوا لاعبين لا يرضون بالهزيمة.
بلماضي صار من اليوم في مكانة المدرب الأسطورة عبدالحميد كرمالي
افرحوا يا سادة إنها الجزائر التي تربعت على العرش الأفريقي، لقد أعادت اللقب إلى العرب بعد غياب لم يدم أكثر من تسع سنوات.
لقد خفّف المنتخب الجزائري من وطأة سقوط بقية المنتخبات العربية، ولم يرض أن يجافي اللقب العرب مرة أخرى، خاصة وأن أرض الكنانة هي من نظمت الحدث ونجحت بامتياز في ذلك.
بلا شك هناك محاربون تجندوا وكافحوا طويلا كي تفرح الجزائر ويفرح معها بقية العرب، قطعا هناك العديد من العوامل التي عبّدت طريق النصر، فراح الآلاف من الجماهير يهللون بهذا النصر الجزائري العربي من العاصمة الجزائرية إلى تبسة إلى وهران إلى تونس والدار البيضاء ثم القاهرة وغزة وصولا إلى ساحة النصر في العاصمة الفرنسية باريس.
لقد أبلى “محاربو الصحراء” البلاء الحسن، كانوا في مستوى التطلعات التي رشحتهم عند انطلاق الدورة للوصول إلى اللقب الغالي، كانوا فعلا محاربين مجتهدين، لكن بقيادة قائد حكيم متحمس وعليم. هو جمال بلماضي الذي كان عليما وخبيرا بكل تفاصيل هذا الطريق الطويل نحو منصة التتويج، لقد نجح في ذلك بكل اقتدار وبراعة، لم تحل تجربته القليلة في مجال التدريب كي يفك “طلاسم” لقب طال انتظاره في الجزائر.
لقب استعصى على “ثعالب الصحراء” منذ زهاء ثلاثة عقود، لكن جاء اليوم من يقود حملة “الفاتحين” ويبشر شعبه بنصر مبين.
أتدرون ما فعل هذا المدرب الشاب المتقد حماسا ورغبة عارمة في تحقيق المجد؟
هو فقط استحضر الماضي، واستذكر التاريخ، واستوحى من كل التجارب الجزائرية السابقة، ومنها بالخصوص تلك التجربة المتفردة في دورة 1990 التي احتضنتها الجزائر وتمكنت بكل اقتدار من حسمها لفائدتها والتتويج بلقبها الأول.
بلماضي عاد إلى الماضي، نظر بعيدا، لقد اختصر كل المسافات، لم ينظر طويلا في تجارب الأمس القريب، ربما تأمل قليلا في ما حققه مواطنه رابح سعدان الذي أعاد المنتخب الجزائري إلى الواجهة، خاصة بعد أن نجح في قيادة هذا المنتخب إلى بلوغ مونديال 2010 بعد غياب طويل وسبات.
ربما تذكر مدرب اليوم ما حدث في مونديال البرازيل 2014 عندما أبهر المنتخب الجزائري كل العالم وقارع المنتخب الألماني بكل براعة بقيادة البوسني وحيد خاليلوزيتش.
لكن يبدو أن بلماضي توقف في أبرز محطة عرفها تاريخ المنتخب الجزائري، لقد عاد بالزمن وبالذاكرة إلى أحداث سنة 1990، عاد ليقف ويستوعب الدروس من تلك المشاركة الرائعة لمنتخب بلاده. عاد كثيرا إلى الوراء ليستوحي تجربة مواطنه عبدالحميد كرمالي الذي كان له شرف قيادة منتخب الجزائر لنيل أول لقب أفريقي.
بلماضي اختار أن يصطفي من التاريخ الطويل للمنتخب الجزائري جزأه الناصع، ثم اختار أن يعيد التجربة ذاتها بعد 29 عاما، قرّر أن يسير على خطى كرمالي، فنجح وبكل اقتدار.
في تلك الدورة وتحديدا سنة 1990 تمكن كرمالي من توظيف قدرات الجيل الذهبي للكرة الجزائرية، برع بشكل مدهش في إخراج أفضل ما يوجد لدى ماجر ومناد وبلومي ومدّان، فكانت مشاركة مدهشة عنوانها الأبرز اللعب دون أي حسابات وتقديم أفضل ما يمكن تقديمه. فكانت المحصلة تتويجا تاريخيا رائعا، منح المنتخب الجزائري إنجازه الأفضل في تلك الفترة.
لم يتوان بلماضي عن استحضار تلك الروح الجماعية الهائلة، لم يدخر أي جهد كي يحسن تأطير ثلة من اللاعبين الرائعين في الزمن الراهن، منح ثقته لمن يستحق فقط، قطع مع كل سلبيات الماضي القريب، لم يترك مجالا للنجومية الفردية كي يكون لها تأثير على أجواء هذا المنتخب.
ثم بدأ بالعمل، فلم يرتبك ولم يتردد، فقط اجتهد وحاول أن يتعامل مع هؤلاء اللاعبين بكل بساطة ووضوح، فاختار التركيبة المثالية قبل انطلاق منافسات البطولة، وحدّد خياراته الفنية والتكتيكية.
مع بلماضي بدا المنتخب الجزائري أكثر ألقا وسحرا، أكثر واقعية وجمالية، لاح أكثر قوة وتنظيما وجماعية، فتتالت الانتصارات، وبدأت الأحلام تكبر.
هي أحلام استلهمت “وقودها” من ذكريات الماضي الذي نجح خلاله كرمالي في التعامل مع خصوصية كل مباراة على حدة، فوفّق في بلوغ المحطة النهائية ثم هزم المنتخب النيجيري ومن ثمة التتويج باللقب.
هذا ما فعله بالضبط جمال بلماضي الذي أحسن كثيرا التعامل مع مجموعته ولاعبيه وأحسن قراءة كل المباريات، ليسير “المحاربون” بكل اقتدار نحو اللقب الغالي.
لقد نجح بلماضي مثلما فعل في السابق كرمالي في شحذ همم اللاعبين، أتقن القيام بدوره في تحفيزهم، فجعلهم مثل “كتلة النار”، فكانوا لاعبين لا يرضون بالهزيمة، كانوا أبطالا لا يخشون أي منافس، لقد زرع فيهم بلماضي مفهوم الاستماتة في الدفاع عن لون الوطن، حتى وإن تطلب الأمر ذرف الكثير من الدموع ونزف الدماء.
لقد شاهدنا ذلك خاصة في مواجهة ساحل العاج، شاهدنا كيف تحسر بونجاح وبكى بحرقة عندما أهدر ركلة الجزاء، شاهدنا كيف انخرط بلماضي مع عطال في نوبة من البكاء الصادق عند تنفيذ ركلات الجزاء الترجيحية.
هي لعمري كل الصفات والمقومات التي تبني شعبا يحب وطنه، ومنتخبا يريد إسعاد شعبه، لقد نجح بلماضي في قراءة الماضي، أحسن التقدير ووفق في التحضير، فكان له ما أراد وصار من اليوم في مكانة المدرب الأسطورة عبدالحميد كرمالي.
كاتب صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)