ardanlendeelitkufaruessvtr

أول مشروع عربي يطبخ على شمعة

بقلم سلام الشماع تموز/يوليو 23, 2019 160

أول مشروع عربي يطبخ على شمعة
سلام الشماع
تفشل مشاريعنا ومؤتمراتنا جميعاً في بلوغ أهدافها، لسبب بسيط هو أننا نضع لها سقوفاً عالية جداً من الأهداف، ونريد بلوغها بأسرع وقت ممكن، وهذا أمر درجنا عليه منذ عقود طويلة، للأسف الشديد، ولم نتوقف ونسأل أنفسنا: لماذا نفشل؟ ولم نفطن، مرة، إلى أهمية التجديد في مسيرة حياتنا.
إننا نستطيع تحقيق الأهداف مهما كانت عالية السقوف لو أننا جعلناها على مراحل، ووضعنا أولويات لتحقيقها، فنحقق، كل مرة ما بالإمكان تحقيقه.. وهكذا.
 صرخ بنا، في ثلاثينيات القرن الماضي، الشاعر جميل صدقي الزهاوي:
كل شيء إلى التجدد ماضٍ
فلمـــاذا يقـــرّ هــذا القديـم
ولم نلتفت إلى صرخته، ومضينا ننتقل من فشل إلى آخر، ولأن التجديد أشق مما درجنا عليه، ولا يثبت قدمه على أرض، إلا بعد وقت طويل، فإننا عزفنا عنه، وقد نبه عالم الاجتماع العراقي الدكتور على الوردي إلى أن أي فكرة جديدة لا يتقبلها الناس إلا بعد أن تنتصر وتثبت نجاحها، بعد وقت طويل، وإصرار من أصحاب الفكرة وعمل شاق، وهذا حدث حتى مع الأنبياء، فالرسول العربي الكريم محمد بن عبد الله ظل يدعو إلى الإسلام تسع سنوات ولم يتبعه إلا أربعون نفراً.
 لكن نخبة من المفكرين والعلماء والمثقفين من (العراق، فلسطين، مصر، سورية، لبنان، الأردن، الجزائر، تونس، المغرب، البحرين، اليمن، السودان، ومن سيلتحق من الاقطار العربية  الأخرى)، قبلت التحدي، "إيماناً بحتمية التجديد الفكري والعلمي والثقافي بوصفه حاجة حياتية دائمة، وإدراكاً لأهميته في بناء المجتمعات مادياً وروحياً وحضارياً وإنسانياً، وفي تقدم الأمة العربية بالذات وتحقيق نهضتها الحضارية"، وعزمت على تأسيس المعهد العالمي للتجديد العربي، ليحمل مشعل الثقافة العربية المعاصرة والفكر العربي الحديث، وليضيء الدرب أمام جيل الشباب في حقبة من أشد حقب التاريخ العربي تجهماً .
اجتمعت هذه النخبة في اجتماع تأسيسي لهذا المشروع الحيوي والخطر، للمدة من 27 - 30 حزيران من هذا العام، "لتأسيس هذا المعهد الذي يُعد مؤسسة فكرية علمية وثقافية مستقلة غير حكومية تعتمد في نشاطها على المبادرة الفردية والجماعية وعلى التفكير العلمي الحر في ابتكار الأفكار وتجديد الثقافة وتحديث وسائل العمل، ولبناء منظومة فكرية وثقافية حديثة مواكبة للتطورات العالمية ومتوازنة معها، وليكون بذلك المعهد رافداً من روافد الفكر العربي الحديث، ومصدراً من مصادر الثقافة العربية المعاصرة.
إن تأسيس (المعهد العالمي للتجديد العربي)، هو خطوة عملاقة وخطرة وكبيرة، وهو تأسيس لوجود عملي وبرنامج يلامس ويؤثر إيجابياً في مستقبل وجودنا كعرب لنا مرتكزاتنا الحضارية ولنا قدرة على أن نعيش مرفوعي الكرامة وقادرين على الحياة بصفة كريمة بعيداً عن مخلفات الهزائم والنكسات، التي عانى منها الإنسان العربي، خصوصاً في النصف الأخير من القرن الماضي وانتهاءً بمختلف الهزائم، التي امتدت إلى بدايات هذا القرن.
إن هذا المشروع الفكري والعلمي والثقافي، الذي نحن بصدده، ليس نتاج مواقف انفعالية أو ردود فعل أو نزعات "شاعرية"، أو ترف فكري وثقافي، وليس شعاراته بالونات ضخمة ممتلئة بالصراخ ومفرغة من الهواء، وإنما هو محاولة لوضع إبهامنا على جرحنا واستشعار مكامن آلامنا واستشراف ينابيع آمالنا في محاولة لأن نكون "شيئاً"، وشيئاً له فعله وقيمته وتأثيره ووجوده الفاعل بشفافية وبصفة حضارية تتمسك بالنظرة الوسطية بالغة النضج تجاه أنفسنا وتجاه الآخر .
اتفقت آراء نخب سياسية وثقافية وإعلامية مميزة على أن رهاننا ليس على أنفسنا فقط، وإنما رهاننا على الجيل الصاعد من الشباب المتسلح بالوعي والمعرفة والمتسلح بقيمه الحضارية والثقافية المنفتحة على الآخر بنضج ووعي، وعلى مقدرتنا على مقاومة مشاريع تشويه هويتنا أو مسخها أو محوها، وعلى القدرة في التصدي لتيارات التخلف والتجهيل والإفقار والتجويع المادي والمعنوي والاخلاقي والتربوي والعلمي والمعرفي  .
إن الجيل الذي يستهدفه هذا المشروع هو مكمن الطموح ومنطلق تحقيق الأحلام لأننا عندما نسهم في بناء هذا الجيل والأجيال القادمة ونهيئ لتماسكه إنما نسهم في بناء أمة ذات حضارة حقيقية لها حق في أن تلملم شتاتها وتعود فاعلة في الحضارة العالمية.
وهذا المشروع الطموح لن يقف كثيراً على أطلال الماضي بقدر ما يستمد منه جذوة استشراف المستقبل بثقة لا نهاية لفعلها الحضاري، وهذا ما يفصح عنه دور المعهد، الذي تأسس على هذا النهج، وهو يحتاج، إذن، إلى المفكرين والعلماء والمثقفين من أصحاب الأيدي الصادقة والأمينة مع ضميرها أولاً ومع قيمها ومبادئها، أيضاً، أولاً وأخيراً.
ومع المثابرة والإصرار سيكون هذا المعهد شيئاً، وشيئاً له قيمته في حياتنا المعاصرة، لأنه نتاج جهد مخلص وفكر يريد خير الأمة، والمفرح أن هذا المشروع يطبخ أهدافه على شمعة لتكون خطاه نحو النجاح سديدة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)