ardanlendeelitkufaruessvtr

"فاشبول"

بقلم حكيم مرزوقي تموز/يوليو 23, 2019 164

"فاشبول"
حكيم مرزوقي
انتهت النتيجة لصالح تونس فربتّ على أكتاف الغانيين، وكذلك فعل جمهور الحاضرين وهم يبتسمون ثم تبيّن في ما بعد أنهم تونسيون من ذوي البشرة السوداء.
النادل ألزم الشبان الغانيون بمعدّل مشروب كل ربع ساعة
شبان غانيون كانوا يشاركوننا مشاهدة المباراة التي جمعت فريقي بلادهم وبلادنا من خلال شاشة كبيرة على رصيف مقهى حينا الشعبي أي في الهواء الذي لم يكن “طلقا”، ذلك أن النسائم محبوسة كالأنفاس، ولا شيء يتحرك غير نادل المقهى بمحفظة قطع النقود المثبتة في خاصرته، ولا يفلت كل ذي عينين شاخصتين على الشاشة من سؤاله المتكرر “آش تشرب”؟
كان النادل ينظر بحنق إلى كل الواقفين من المتابعين للمباراة من بعيد خارج “مجاله الضريبي”، وهم في غالبيتهم من المارة والباعة المتجولين وعمال البلدية وأصحاب السيارات المتوقفة، وحتى القطط والكلاب الضالة.
ما زاد من ثقل وتوتر هذا المشهد الثابت هو الإطالة في عمر المباراة بعد تعادل الفريقين، فلا تسمع من جمهور الزبائن غير عبارات “الاحتجاج اللوجستي” من نوع “بعّد شوية رأسك، وطّي رأسك.. نحّ رأسك”، تقطعها من حين لآخر صرخة مدوّية كلما اقتربنا من المرمى وأضعنا هدفا.
أما الشبان الغانيون الذين كانوا يجلسون إلى جانبي، فقد ألزمهم النادل بمعدّل مشروب كل ربع ساعة، وقد اضطروا لافتعال الحياد وكتمان حماسهم كلما هدد مهاجم من فريقهم مرمانا، ذلك أن بعض عيون الجمهور تراقبهم.
همستُ في أذن أحد الشبان الغانيين إلى جانبي بإنكليزية هشة “أظن أن غانا هي التي ستفوز.. هل تراهن؟”، ابتسم عن أسنان بيضاء وفرح مكبوت ثم أمر لي بمشروب من النادل الطائف بيننا بمحفظته المكتنزة وأسنانه المخلوعة الصفراء.
يا للورطة.. لعلها رشوة.. هل سأقضي الوقت وأنا أبتسم لهم كلما هدد واحد منهم مرمانا؟ سأربّت على أكتافهم عندما يخسرون، على كل حال.
اندس بين الكراسي ماسح أحذية صبي، مد جاري الغاني قدمه يريد مسح حذائه الأبيض وناوله مسبقا مبلغا مغريا فبدأ الصبي بتشجيع فريق غانا وقد أدار ظهره إلى الشاشة، ضحكت للموقف فرمقني العديد من جمهور الحاضرين بنظرة تجمع بين الاستغراب والاستهجان والازدراء، وعلق أحدهم “هل غيرت جنسيتك وبعت الماتش يا جار”؟
لجأ الحكم إلى الركلات الترجيحية فوجدت نفسي أشبه بحارس مرمى وأنا أرتشف من المشروب الذي ضيفني إياه جاري الغاني وأرقب بطرف عيني ماسح الأحذية الذي أنهى عمله وانضم إلى الواقفين يشجع “فريقنا الوطني”.
انتهت النتيجة لصالح تونس فربتّ على أكتاف الغانيين، وكذلك فعل جمهور الحاضرين وهم يبتسمون ثم تبيّن في ما بعد أنهم تونسيون من ذوي البشرة السوداء، أما النادل فراح يلاحق بعض الذين شربوا ولاذوا بالفرار في زحمة الزهو بالانتصار.. يا لفاشية الفوتبول.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)