ardanlendeelitkufaruessvtr

عن الأعمال الجيدة التي لا تعجبنا

بقلم شرف الدين ماجدولين تموز/يوليو 29, 2019 93

عن الأعمال الجيدة التي لا تعجبنا
شرف الدين ماجدولين
في منظومة تاريخ الأدب والفنون وُضع "الانطباع" في مقام ثانوي، قياسا إلى التحليل، الذي يكشف ما لا يعلن.
الإبداع أبعد من اللذة الأولى
غالبا ما تتجلى علاقة القراء، مع النصوص الروائية، والمسرحية، والشعرية، مثلما تشخُص نظرتهم للوحات والأفلام، وما سواها من أعمال بصرية، بوصفها تأرجحا محيرا بين صعقة الانجذاب العابر، ولوعات الصداقة الدائمة، القائمة على جدل لافت بين الاعتقاد في جوهر القيمة، والنفور من الأسلوب المنهك.
 وغير خاف أن الانجذاب الأولي الخالب يتصل في معظمه، بظواهر فنية رائجة، من قبيل الروايات الجماهيرية، التي تبيع ملايين النسخ في شهور، ثم تدريجيا تمّحي من الوجود، كما قد تتصل بأفلام سيئة السمعة، تتألق كنيازك سرعان ما تنطفئ، بينما لا تعقد جل النصوص الخالدة صفقة متعة على عجل، ففي طبيعة أعمال من قبيل “موت إيفان إليتش” لتولستوي، و”أوليس” لجيمس جويس، و”الموت في البندقية” لتوماس مان، لعبة تطويع للصور والدلالات، وسعي لاعج لفهم المخفي بلحاءات كثيفة من المفردات والتخييلات، وبتعبير ماريو فارغاس يوسا، فبعد قراءتها وإعادة قراءتها “ينتابنا دائما شعور مربك بأن أمرا ملغزا قد بقي في النص بعيدا عن المتناول، حتى بعد قراءته بتأن أكثر. ثمة خلفية قاتمة وعنيفة، شبه منفّرة”.
 وسرعان ما تسلمنا جولات القراءة المجهدة، والمستمرة في الزمن، إلى أحاسيس ملتبسة، بعيدة عن دوائر السحر، ومن ثم فإن تلك الأعمال البالغة العمق والمتقنة الصيغة قد لا تعجبنا.
في نقاش جمعني قبل سنوات بأحد الروائيين العرب عن الأعمال الروائية لعبدالله العروي، من “الغربة واليتيم” إلى “غيلة” مرورا بـ”الفريق” و”أوراق” ونصوص أخرى، قال إن أعماله تتضمن نزعة عقلانية ظاهرة، وجرعة من التجريد المربك، وهندسة بناء صارمة، كل هذا يجعلها روايات جيدة، لكنها لا تعجبه، لا يتحمل المضي في قراءتها حتى النهاية. لم يفاجئني الرأي فثمة عدد كبير من الروائيين ومن النصوص الروائية التي لا تعجب من ينتسبون إلى حقل الكتابة الروائية، فبالأحرى القراء العاديين، لكنها تصنف كتحف روائية.
في هذه النقطة تحديدا أجدني دوما حائرا في تفسير منبع الخلل المولد للثنائية المتضمنة لتعارض ملحوظ، القيمة الثابتة والفشل في إغواء القارئ و الاستحواذ عليه، ويمكن أن تكون رواية “المسخ” لكافكا نموذجا على هذا التعارض المحيّر، نص لم أستطع لسنوات تقبله مقرونا بكل تلك الأوصاف المبجلة له من قبل مؤرخي الرواية، قبل أن تنعقد في لحظة ما صداقة وثيقة معه، جعلته مرجعا دائما في تقيمي للروايات المختصرة للكون بتكثيف خيالي مبهر.
    في منظومة تاريخ الأدب والفنون وُضع "الانطباع" في مقام ثانوي، قياسا إلى التحليل، الذي يكشف ما لا يعلن، وما يستعصي التقاطه بيسر من جوهر صامد أمام عتوّ الزمن، وما نسعى لإدراكه بتأهيل العين والذهن
والحق أنه بإعمال النظر في هذا التأرجح بين الفتنة والصداقة، في تداول الأعمال الإبداعية، يمكن أن نتمثل الظاهرة بصرف النظر عن وجود خلل ما، وذلك من منطلق التمييز بين مبدأ اللذة ومبدأ القيمة، بين المتعة الحرة المؤقتة وشرط الإضافة الأصيلة، ففي منظومة تاريخ الأدب والفنون وُضع “الانطباع” في مقام ثانوي، قياسا إلى التحليل، الذي يكشف ما لا يعلن، وما يستعصي التقاطه بيسر من جوهر صامد أمام عتوّ الزمن، وما نسعى لإدراكه بتأهيل العين والذهن.
هل الصمود مناقض للذة؟ أعتقد ذلك، لأن من قواعد اللذة الانطفاء، والانتقال إلى لذات موعودة أخرى، بينما القيمة مقرونة بمكابدة المعنى. يحلو لي هنا أن استحضر سعي تاريخ الفن إلى إنصاف القيمة، بعد لحظة البدايات المرزئة التي عاشها رموز عديدون، لم يكن لهم حظ “رونوار” أو “بيكاسو” للنهل من فتن العيش، أستحضر “رابرانت” و”فان غوخ” و”سيزان” ممن سعت أسواق الفن بعد وفاتهم بعقود إلى ترجمة قيمتهم في أرقام فلكية، في الآن ذاته الذي قد تجد فيه أعمالا لهم غير قابلة للتداول الجماهيري بوصفها صورا خالبة.
في كتاب “الستارة” يتحدث ميلان كونديرا عن رواية فيلدينغ “توم جونس” الممتدة في ثمانية عشر جزءا، واستعمل مفردات هجائية لـ”استبدادية القصة”، التي تستحوذ على الأذهان، وتسحر، وتسرع إيقاع المتابعة للوصول إلى الأسطر الأخيرة، بينما تشكل الحرية جوهر النثر الروائي، المناقض لمبدأ اللذة، حيث اختراق قواعد القصة باستطرادات مشرعة على الآراء والتأملات ينغص لعبة “حكي ما جرى للشخصيات”. وفي هذا السياق يمكن استيعاب أعداد كثيرة من الدراسات النقدية التي جعلت من مهامها نقض علامات أدبية وفنية من سيرفانتس إلى بيكاسو، ومن نجيب محفوظ إلى أدونيس. تحاليل تتأرجح، في الغالب الأعم، بين نقض قاعدة اللذة وتقويض جوهر القيمة.
وفي كتاب جون بورغر عن بيكاسو، الممتد على أزيد من ثلاثمئة صفحة، يسعى الناقد الماركسي البريطاني إلى إعادة تركيب أسطورة الفنان العالمي، انطلاقا من سياقات تكوين شخصيته، ومعالم فنه، وسياقات عبوره درجات التأثير، كانت القيمة هي شاغله، حيث اعتبر، في أهم مفصل من الكتاب، أن بيكاسو انتهى بما هو “قضية وثورة ومعلم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية”، ولم تعد ثمة قيمة جديدة في منتجه، إلا ما اصطنعه نقاد الفن، والمستثمرون في أعمال بيكاسو، ممّن كان الإعجاب الموروث والمؤبد، حافزهم لإعادة إنتاج الأسطورة.
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)