ardanlendeelitkufaruessvtr

إذا البرتقال "اتبأرطن"

إذا البرتقال "اتبأرطن"
سعد القرش
تكتسب الكلمات والجمل دلالات جديدة، في سياقات مؤثرة، على لسان من نصدقه، حقيقة أو تمثيلا.
اللغة.. تلك التي تفعل الكثير بالقليل
فرق كبير بين مجترئ على اللغة اجتهادا واشتقاقا، وجاهل أحمق تصدُق فيه مقولة تنسب إلى غوته “لا أشدّ ضررا من الجهل النشط”. لا يستوي العاجز عن قراءة قصيدة لامرئ القيس ويجهل تراث الشعر العربي ويدّعي كتابة قصيدة النثر، ومن استوعب هذا التراث، وأحاط بأجياله ومدارسه وتياراته وقفزاته، وكتب الشعر العمودي، ثم استقرّ على كتابة قصيدة النثر، انحيازا فنيا إلى رؤية تلخّص الشعر في تمرده وسبقه على قواعده وبحوره الخليلية، وتخلّصه إلا من الجوهر، فيستخرج التمثال الكامن في عمق الصخرة، ولا يبلغه إلا فنان دؤوب قادر على إزالة طبقات الركام.
وحين كتب صلاح عبدالصبور قصيدته “الحزن”، وفيها “فشربت شايا في الطريق، ورتقْت نعلي، ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق”. سخر العقاد وكتب معارضة للقصيدة على لسان طفلة شربت خمرا، فصاحت “البيلة البيلة البيلة، ما أحلى سُلب البيلة”، يقصد: البيرة وشُرب. وأقصى الزمن سخرية العقاد، وأبقى على قصيدة عبدالصبور المحتفظة بطاقة الصدق. وكذلك نسيت أخطاء لغوية لغزاة ومستشرقين، ووعى التاريخ اجتهاد عبدالرحمن الجبرتي، حين واجهه لقب “كتْخٌدا”، ويعني المحافظ، نائب الوالي، ووجد الكلمة ثقيلة بحروفها متجاورة متنافرة، فاستبدل بها “كخْيا”. ونسي الناس اللقب الأول. وعلى مرمى حجر من ميدان الأوبرا مسجد أثري هو جامع الكخيا.
تكتسب الكلمات والجمل دلالات جديدة، في سياقات مؤثرة، على لسان من نصدقه، حقيقة أو تمثيلا. ولن تعود الحمولة الرمزية لكلمتيْ “متعوّدة دايما” كما كانت منذ قالها سرحان عبدالبصير (عادل إمام)، في مسرحية “شاهد ما شفش حاجة”.
ولا تُقبل الأخطاء من جاهل. وأذهلني خرّيج أزهري في خطبة الجمعة، يزعق بصوت الواثق، وينوّن الكلمات الممنوعة من الصرف والأفعال أيضا، فيقول “الأمة الإسلامية كانتٍ…”، ولا تحتفظ ذاكرتي ببقية الجملة التي اخترقت أذنيّ، وصرفتني عن الخطيب والخطبة. ولكن للأخطاء، في سياق آخر، قبولا محببا، وهذا ما فعله الأستاذ حسين (عبدالمنعم مدبولي)، في فيلم “الحفيد”، وهو يذاكر لابنته من كتاب مصوّر، وينطق كلمات منونة، ويأمرها بالترديد وراءه: بطة، دكتور، حمار، عصفور. وفوجئ بابنه يستقبل زميلته (الممثلة نسرين)، فخطفت الصبية عقل الرجل، ونطق بإعجاب: قمرٌ، غزالٌ، والطفلة تردد، وأضاف خبرا للمبتدأ “يهبلٌ”. وصارت مقولة “غزالُ يهبلٌ”، بهذا النطق الموحي، تجسيدا للإعجاب.
وفي مصر لا نقول: البرتقال، بل “البرتقان”. وقبل اكتمال نضجه يكون لاذعا. وذات سنة، بعد أسبوعين من ظهور بشائر البرتقال، كان ابني آدم في السابعة، وسألني عما إذا كان البرتقال قد “اتبأرطن”؟ بمعنى: نضج؟ وللمرة الأولى يصادفني فعل سباعي لم أعثر على مثله في المعاجم.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)