ardanlendeelitkufaruessvtr

أن تكون جديدا

بقلم أحمد سعيد نجم آب/أغسطس 07, 2016 87

   
أن تكون جديدا
أحمد سعيد نجم
حين تقود صُدفةٌ جميلةٌ إلى صُدفةٍ جميلةٍ أخرى، فذلك يعني أننا واصلَون حتماً، إلى مجلة “الجديد”. فمع تلك المجلة الجامعة، والصادرة مطلع كلّ شهر من لندن، صار لنا أخيراً، كمثقفين وكقرّاء ما ينتظرنا وننتظره رأس كل شهر، وإن شئتَ، فقد كانت تلك المجلة في العام ونصف الماضيين جائزة ثمينة، خفّفت عنّا كثيراً من الأحزان التي ربخت على أرواحنا، ورمّدت ما في دواخلنا من رؤى ومشاريع.
والجميل في أمر “الجديد” أنها أتت في وقتٍ ظننّا فيه أن أحلامنا المُشتهاة قد ولّت إلى غير رجعة، وأنه لم يعد في انتظار حاضرنا وغدنا غير الرماد والكوابيس. وأن أيامنا هذه لا تعرف غير الإنجازات الهوائية، وعلى معظم الصعد إن لم نقل كلَّها، وأنه لا يليق بالإنجازات الهوائية، سوى النشرات الشلليّة والفيسبوكّية، أما المجلات الجادّة والجامعة والمفعمة بالآمال العراض، المجلات التي تتخطى المألوف وتبشر بالجديد الحقيقي، فهي ابنة زمنٍ مضى إلى غير رجعة.
وأن تنتظر، بفارغ الصبر، وطوال شهرٍ طويل، مجلّةً لديك كاملُ القناعة بجِدّيتها وتميُّزها، وبابتكاراتها المغايرة للمألوف، وبنواياها الطيّبة، انطلاقاً من معرفتك بالإمكانات الفعلية التي يتمتع بها طاقم تحريرها، وبما قدّمه ذلك الطاقم الطموح في الأعداد التي صدرت حتّى الآن، فذلك يعني أنك تأملُ بما هو حقيقيّ وصحيح، وأنك تضع أملك حيث ينبغي له أن يوضع.
غير أننا، ولكي نأملَ على نحوٍ صحيح، ولكي يتمتعَ أملنا بديمومة العيش ينبغي أن نخاف. والخوف هو أن لا يتمكن الواقعُ الثقافي المزري لشعوبنا العربية الجريحة والمستنزفة، من أن يرتقي بالإنجازات الثقافية إلى نهاياتها القصوى، وعلى نحوٍ يجعلها تتلاقى مع الطموحات لتأسيس قولٍ جديد، وحساسية جديدة، فالاستنزاف قد لا يثمر سوى الاستنزاف، وسوى ما هو فارغٌ من كلّ محتوىً!
و”الجديد” التي عرفناها إلى حدّ الآن، لم تتفوق على غيرها فحسب، بل تفوّقت عل نفسها، وعلى ما رسمته لمسيرتها من أهداف، وكانت جديدةً قولاً وفعلاً، وجديرة بالاسم الذي اختارته لنفسها “الجديد”. أمّا جديدُها فقد كان بستاناً أزهرت فيه مواهب جادّة وشابّة. مواهب ما كانت تعرف إلى أين تتّجه، لو لم تتجه إلى “الجديد”.
فلقد غطّت هذه المجلة على ما عداها من مجلاّت قائمة، وذكّرَنا حضورُها الشهري بالماضي الثقافي الجميل أيام “الكرمل” وغيرها من المجلات الثقافية الرصينة. وأن تفعل “الجديد” ذلك يعني أنّ عليها أن تخاف على نفسها من نفسها. ومن أجل ذلك ترانا، ومع كلّ عدد، نضع أيدينا على قلوبنا. نقول ذلك لأننا نعرف أن الإبداع الحقيقي يتطلب إنضاجاً وخوفاً. والخوف ضروريّ. ولا ينبغي أن نخاف منه. فكلّ أملٍ لا يخالطه الخوف يستحيلُ إلى غرورٍ، وبهلوانية. ومن أجل ذلك ترى المبدع الحقيقيّ دائم القلق. وأكثرُ ما تراه مرعوباً، ومرتبكاً، في آن معاً، عندما يُحقّق ُنجاحاً يتفاجأ هو به، قبل أن يتفاجأ به الآخرون. وذلك ما كانته مجلة “الجديد” في الأعداد التي صدرت إلى الآن، فقد كان واضحاً مع كل عدد، سعيُها الحثيث لأن تقفز فوق الذي كانته، في عدد مضى.
والخوفُ أيضاً من أن تتمكّن الرياح الهوجاء التي تعصف بمنطقتنا العربية، والتي تمكنت إلى حدٍّ كبير من حَرْفِ شعوبنا العربية عن نضالاتها الأصلية، وعن أعدائها الحقيقيين، أن تتمكن من إسكاتنا نحن المثقفين، أو في أضعف الإيمان، من حرفنا عن شقاء الإبداع الجاد الذي اخترناه جوهراً لوجودنا، وأن تجعلنا نلهثُ وراء الآنيّ، والمباشر، أيْ وراء الضعيف، والمستهلك، وما لا طائل منه. وأن نخوض معارك مع طواحين هواء، عوض أن نتحدّى فرساناً حقيقيّين!
و”الجديد”، وفي المعني الحرفيّ للكلمة، انفتاح على الآخر، وبالأخصّ الآخر الذي يمتلك زمام القول الفكري والثقافي الحقيقي. فمن دون التحاور مع الآخر المختلف، الآخر الموجود فينا، وبيننا، وخارجنا، ومن دون الأخذ من ذلك الآخر قبل التفكير بإعطائه، لن يستقيمُ لنا نهوضٌ حضاري مُجَدّد نفاخرُ فيه. وأخيراً فـ”الجديد” أملٌ رأى النور، ويراه رأس كلّ شهر، ونأملُ أن تظلّ، كما عهدناها، ابنةً بارّةً للجِدّة والنُور.
كاتب من فلسطين
   


سراب/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)