ardanlendeelitkufaruessvtr

أبي وأمي وأنا.. وأطفالي

بقلم حكيم مرزوقي آب/أغسطس 04, 2019 125

أبي وأمي وأنا.. وأطفالي
حكيم مرزوقي
الثقافة الطبية والتربوية تتحول وتتبدل كل يوم وما كان في الأمس سلوكا قويما قد يصبح اليوم رعونة وسوء تدبير.
رعاية كبيرة
أبي كان قد أسعفني يوما، في عيادة طب العيون عند فحص النظر، وأشار لي خلسة بيده، وفي غفلة من الدكتور إلى اتجاه ذلك الحرف اللاتيني الذي يشبه الخنفساء المتحولة في وضعيات مختلفة على اللوحة البيضاء المضاءة قبالتي.
كانت النتيجة “ممتازة” حسب تقرير الطبيب، وأعفيتُ وقتها، من النظارات كي لا يسخر مني زملاء الفصل الدراسي، وها أنا اليوم، أتحمل نتيجة “مساعدة” أبي تلك، وأضع النظارات السميكة على أرنبة أنفي طوال العمر بل وترافقني حتى في منامات الظهيرة وأحلام المساء.
أبي ذو النظر الضعيف الذي كان يأخذني لمرافقته في رحلات الصيد، كانت أمي تنصحني بعدم المشي أمامه، حتى أنه كاد يطلق النار، مرة، على كلبنا الهرم ظنا منه أنه أرنب.. وفي رواية أخرى، قلت إنه قد اصطاد الكلب حقا، وعدنا به في الجراب إلى البيت، واستمتعنا بوجبة دسمة من لحم الأرانب، ذلك أن أمي قد دفنت الكلب في صمت ثم ابتاعت أرنبا مذبوحا وأعدت لنا العشاء دون أن تخبرنا بالأمر.
لا بأس من بعض الخيال إن كانت الغاية على سبيل التوضيح والمقاربة للقول إن عواطف الأولياء، عادة ما تكون مدمّرة باسم الحرص والمحبة، فالوالد الذي رغّبني في التهام اللحوم على جميع ألوانها، كان يتذرع بالقول إننا “لسنا أرانب أو خرفانا كي نكون عاشبين”.. وها هي نتيجة الفحص الطبي تنذر بارتفاع نسبة الكوليستيرول في الدم.. انظر ما فعله بي حبك، يا أبي.
أما أمي التي كانت تكره الصيد، تعشق الخضروات وتزدري اللحوم، تحب الأناقة دون أن تتخلى عن زيها الأمازيغي التقليدي، وتحترم الفرنسية دون أن تتقنها، فأحملها بدورها، مسؤولية هذا التمزق والضياع.
عذرا.. المسألة لا تعدو أن تكون إلّا مجرد عتاب رجل يستعيد طفولته قسرا أو قصدا، وطريقة لتحميل مسؤولية هزائمنا النفسية والصحية والاجتماعية لمن بالغوا في حبنا ونحن صغار.
الثقافة الطبية والتربوية تتحول وتتبدل كل يوم، وما كان في الأمس سلوكا قويما، قد يصبح اليوم رعونة وسوء تدبير، ورب فكرة كنا نسخر منها، عدنا إليها الآن، وقد اكتمل نضجها وأثبتت صحتها.
أما أبي الذي كان “يغش” طبيب العيون في العيادة فلقد أراد أن يخلّص طفله من عبء نظارات يسخر منها أصحابه في المدرسة، وندم الولد على الامتحانات التي لم يكن فيها متفوقا بسبب خجله من القول للمعلم في الصف إنه لم يشاهد السؤال على اللوح بشكل واضح.. لذلك كتب خطأ ما كان يشاهده على السبورة مشوشا، مقابل تجنب سخرية زملائه. الأب الذي كان يشجع ابنه على أكل اللحوم الحمراء، كان يتمنى رؤية ابنه بصحة جيدة، أما الأم التي كانت تحب اللغة الفرنسية والأناقة الباريسية، تعشق الوجبات الخضراء وتزدري اللحوم الحمراء، فقد كانت تحرص على سلامة فلذة كبدها بنفس السوية التي كان عليها الأب.
لا بأس من إضافة شيء من الوعي إلى حبكما يا أمي ويا أبي، وإن تعذر ذلك فلا مانع من القول إن الحياة جميلة بلحمها وشحمها وأعشابها ولغاتها وثقافاتها.. إنها تفاحة خضراء شهية، وينبغي أن تؤكل من جميع أطرافها.
سوف آخذ ابنتي هذا المساء إلى عيادة طبيب العيون، فادعوا لي بالرشد والتعقل.. وتجنب الغش.. أما اللحوم الحمراء فموضوع آخر.. أرجوكم، أي “سيلفوبلاي” باللغة الفرنسية.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)